فؤاد سزگين

15

تاريخ التراث العربي

وهذه الرسالة التي بقيت لنا على الأقل في تفسير محمد بن جرير الطبري وتحوى نحوا من ألف شرح ، يجوز أن نعدها أول آثار علم المفردات في العصر الاسلامي . ( انظر تاريخ التراث 1 / 26 و 27 ) . أما المجموعة الثانية من تفسير معاني الألفاظ لعبد اللّه بن العباس التي تعرف في الكتب باسم « مسائل نافع بن الأزرق » ، فهي عبارة عن أبيات من الشعر القديم ، يستشهد بها عبد اللّه بن العباس على مائتي كلمة من القرآن ، قدّمها له زعيم الخوارج نافع بن الأزرق ليفسرها . وللأسف لا تفصح لنا المصادر عن تفاصيل هذه الواقعة ، ومن ثمة فإننا نعتمد على تصورنا ، وبحسبه قدّم نافع بن الأزرق أسئلته مدونة إلى عبد اللّه بن العباس الذي احتاج إلى بعض الوقت للإجابة عنها ، ولعله رجع أيضا في ذلك إلى تآليف بعض معاصريه . وموقف جولد تسيهر من هذه المسألة - وقد نعت هذا الخبر بأنه أسطورة مدرسية « 50 » - مرتبط / بالتصور السائد في عصره ، وبحسبه لم تبدأ علوم اللغة العربية إلا في زمان متأخر . أمّا بالنسبة لمؤلف تاريخ التراث العربي فيقتصر السؤال على ما إذا كان القول بمسألة الأصالة يوافق ابتداء علوم اللغة العربية في زمان متقدم . ومن رأيي أنه لا بدّ من الإجابة عنه بالإثبات ، وإن رواية واحد من أعلام اللغويين ومتقدميهم كأبى عبيدة ( عاش من نحو سنة 110 / 728 حتى 210 / 825 ) لهذه الأبيات ( انظر تاريخ التراث 1 / 27 ) لمّا يدعونا إلى الاحتراز من إنكار أصالتها . وقد تابع البحث في مفردات القرآن تلامذة عبد اللّه بن العباس ، نحو مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة « 51 » والضحاك ، ونجم عن ذلك فيما بعد نوع من المؤلفات هو « غريب القرآن » ، انفصل به التفسير اللغوي عن التفسير المتعلق بالمسائل الدينية . وثمة أسباب كثيرة تؤيد احتمال أن البحث في المفردات لدوافع دنيوية قد بدأ تقريبا في ذلك العهد المتقدم الذي بدأ فيه تفسير القرآن . وفضلا عن كتب « الأمثال » التي أومأنا إليها آنفا ، فقد شجّع الاشتغال المبكر بجمع الشعر وشيوع الاهتمام بالتاريخ

--> ( 50 ) المرجع المذكور ، ص 70 . ( 51 ) نشر حاتم صالح الضّامن كتابه « الناسخ والمنسوخ في كتاب اللّه » ( انظر تاريخ التراث العربي 1 / 31 ) في مجلة : المورد 9 ، 4 / 1980 / 479 - 506 .