فؤاد سزگين
5
تاريخ التراث العربي
لها بذلك عن بقية علوم الدنيا « الوضعية » التي نفهم منها العلوم الثانوية التقنية « علم الصنائع » « 1 » . وأن « جابرا » في كتاب الحدود لم يذكر « الكيمياء » ، ولعله عدّ هذا الفرع من العلم « وضعيّا » أي من « علم الصنائع » إذ يعرف « علم الصنعة » بأنه العلم الذي لا علاقة له بسد الفاقة والحاجة « 2 » . وقد ذكر جابر « الكيمياء » في كتاب آخر هو كتاب الأصول ( الصناعة الموسومة بالكيمياء ) ، حيث كان همه في ذلك أن ينبه إلى الخطر الكامن فيها « 3 » . يبدو أن كلمة « كيمياء » بمعنى صناعة الذهب والفضة عرفها العرب منذ القرن الأول / السابع وأن هذا المفهوم قد أدى بهم إلى الاشتغال بالكتب الكيميائية في وقت مبكر ، لهذا فليس من الصعب أن يفهم لماذا كان لا بد لأول ترجمة لكتاب دنيوي من لغة أجنبية أن تكون بالذات ترجمة كتاب كيميائي ( انظر بعده ص 105 ) ، أضف إلى ذلك أن الأخبار الصريحة التي وصلت إلينا تفيد أن الكيميائي العربي الأول ، الأمير الأموي خالد بن يزيد أدت به الكيمياء المؤملة بالثروة العظيمة إلى الصنعة والصنعويين « 4 » ، بل إن أقدم ما وصل إلينا من معلومات حول ذلك يرجع إلى عهد خالد نفسه ، ذكرها المؤرخ المدائني ( ت 235 ه / 850 م ) ، انظر المجلد الأول من GAS ، ص 314 ) معتمدا بذلك على رواة قدامي ، جاء في روايته أن محمد بن عمرو بن العاص قدم على عمّته زوجة خالد بن يزيد ، وهي في دمشق ، قال خالد له : « ما يقدم علينا أحد من أهل المدينة إلا اختار المقام عندنا على المدينة ، فظن محمد بن عمرو أنه يعرض به فقال غاضبا : وما يمنعهم من ذلك وقد قدم قوم من المدينة على النواضح فنكحوا أمك وسلبوك ملكك وفرغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب وعمل الكيمياء الذي لا تقدر
--> ( 1 ) جابر : كتاب الحدود في مختار رسائل ص 100 ؛ Kraus : Studienzu Jaberibn Hayyan في مجلة Isis 15 / 1931 / 12 . ( 2 ) مختار رسائل ص 106 . ( 3 ) طهران : خانقاه نعمة اللّه 145 ( 115 ب - 120 ب ) . ( 4 ) ابن النديم ص 354 .