فؤاد سزگين

46

تاريخ التراث العربي

وأنه ينبغي أن نضع في اعتبارنا أن رواية الشعر عن طريق التدوين كانت أوسع انتشارا مما يقول به هؤلاء ، ولا يعنى هذا أن كل ما وصل إلينا من شعر الجاهلية وصدر الإسلام أصيل ، ولكننا نهتم في هذه المحاولة بإزالة الشك المفتعل في أصالة هذا الشعر ، ومحو التصور القائل بأن الرواية كانت بالمشافهة وحدها على مدى مائتين أو مائتين وخمسين عاما . ومن المؤكد أنه في مجال الشعر ، وفي مجال الحديث الشريف أيضا ، قد وجد دس وأخطاء وخلط وانتحال ، وذلك على الرغم من التدوين المبكر ، ولكن لا بد أنّ التدوين بالكتابة قد وضع لهذه التحريفات ولذلك الانتحال حدودا ، وقد رأينا من قبل أن بعض العارفين بالشعر العربي ، مثل : ليال « 171 » ، وبروينلش ، قد وصلوا ، بمجرد البحث في البنية الداخلية لذلك الشعر ، إلى الاقتناع بأنه أصيل إلى حد بعيد ، وإذا كان هؤلاء العلماء محقين في حكمهم ، فإن هذه الأصالة لم تكن ممكنة إلا عن طريق التدوين ، بالإضافة إلى روايته بالطريق الشفوى ، ولولا الاعتراف بأصالة الشعر الجاهلي إلى حد بعيد لما استطاع جرينيباوم أن يقوم بمحاولة وضع تصنيف زمنى لشعراء الجاهلية الكبار ، بأن قسم شعراء العربية المبكرين إلى ست مجموعات أو مدارس « 172 » . ولا بد من إعادة التفكير فيما نسب إلى حماد الراوية وخلف الأحمر « 173 » من نحل الشعر ، وذلك في ضوء القول بالتدوين المبكر للشعر العربي وتقييده في الدواوين ، إن آلورد

--> ( 171 ) هنا تجدر الإشارة إلى عرضه للموضوع في مقدمة ترجمة شروح المفضليات ( 1918 ) ص 24 : « كثير من هذه الأشعار القديمة بها عدم اتصال ، وثغرات تبدو طبيعية في قطع لم تدون ( كذا عنده ، ولكن انظر ص 19 في أولها ) ولكنها حفظت في الذاكرة ورويت على مدى أجيال من الرواة ، الأمر الذي يستبعد افتراض الانتحال تماما . وكثير من هذه الأشعار لها نص متتابع بدرجة معقولة ، وفي آخرها تلحق أبيات يظن أنها منها ، وليس لها مكان في القصائد نفسها ، وهذا أمر لا يطرد مع الانتحال . وفوق هذا فإن الانطباع القائم على الدراسة الدقيقة لهذه البقايا القديمة أنه يجب علينا أن نأخذ هذه القصائد بصفة عامة ، بوصفها إنتاج الرجال الذين تحمل أسماءهم . وسنناقش مدى صحة ذلك في المقدمة الخاصة بكل قطعة شعرية ، وفي التعليقات الملحقة بها ، حيث تبحث القضايا المشكوك فيها » . ( 172 ) عن التصنيف الزمنى للشعر العربي المبكر . انظر : ما كتبه جرينيباوم G . V . Grunebaum , Zurchronologiede r Fruharabischen Dichtung , in : Orientalia 8 / 1939 / 328 - 345 . ( 173 ) انظر : كتاب آلورد ، عن خلف الأحمر ص 2 ، وبحثه عن أصالة الشعر : Ahlwardt , Halafal - Ahmar , S . O . S . 2 Ahlwardt , Aechteit S . 13 - 16 .