فؤاد سزگين

45

تاريخ التراث العربي

المثقفين الذين ترجع أصولهم إلى بيئة بدوية ، وكانوا أيضا رواة اللغويين المشاهير « 169 » . وينبغي الإشارة هنا أيضا إلى أننا نعرف شواهد عن نشاط عدد من هؤلاء الأعراب في التأليف ( انظر القسم الخاص بعلوم اللغة ) . أما في عصر اللغويين الكبار في القرنين الثاني الهجري ( الثامن الميلادي ) والثالث الهجري ( التاسع الميلادي ) فلا بد من رفض التصور الخطأ القائل بأن هؤلاء اللغويين قد دونوا المرويات الشفوية في عصرهم لأول مرة « 170 » . ويبدو من كل الملاحظات التي سبق أن ذكرناها أنه من الفضول أن نذكر مزيدا من الشواهد لإثبات وجود نصوص مدونة لدى اللغويين في ذلك الوقت ، وأنهم تمكنوا من تهذيبها . كانت السمة الأولى لعملهم في مجال الشعر العربي القديم صنعة المواد التي رويت كاملة أو ناقصة في دواوين أو صحف ، ونقد هذه المادة وتقويمها ، وتلقى المعلومات بشأنها من البدو ، إذا اقتضى الأمر ، وبهذا المعنى يمكن فهم المصطلحات المستخدمة في الفهرست لابن النديم ، وفي المصادر الأخرى مثل « صنع » و « جمع » و « روى » بأنها تدل على نشاط في التأليف ، وسنحاول في الحديث عن الشعراء في هذا المجلد أن نسجل بقدر الإمكان تاريخ رواية دواوينهم ، حتى نصحح أيضا على هذا النحو التصور الخطأ القائل بأن الرواية كانت بطريقة المشافهة وحدها / إن الهدف الأساسي من هذا العرض هو إيضاح أن الكتابة قد استخدمت في تدوين الشعر في زمن أقدم بكثير ، وعلى نطاق أوسع مما يفترضه كثير من الباحثين المحدثين ،

--> ( 169 ) انظر - مثلا - : ما كتبه شارل بيلا Ch . Pellat , Milieu 137 - 139 . ( 170 ) أوضح بلاشير هذا التصور في كتابه عن تاريخ الأدب العربي : Blachere . Historie 100 ويقوم رأيه على كون محمد بن السائب الكلبي ( المتوفى 146 ه / 763 م ) . وحمّاد الراوية ، وخلف الأحمر ، والمفضل الضبي ، كانوا يحفظون معارفهم ومروياتهم في ذاكرتهم ، ولم يكونوا يدونون معارفهم على أية حال . أما بالنسبة للكلبي فقد أحال بلاشير إلى ما ذكره بروكلمان في كتابه في « تاريخ الأدب العربي » 1 / 138 ، وفي دائرة المعارف الإسلامية » . الطبعة الأوربية الأولى 2 / 730 ( 737 ) ، على الرغم من أن الكلبي قد ذكر بوضوح في موضعين بوصفه مؤلفا . أما نشاط حمّاد في التأليف ، ونشاط خلف الأحمر ، فموضعها المجلد الأول من تاريخ التراث العربي I : 366 , 460 وكذلك القسم الخاص بعلوم اللغة . أما المفضل الضبي ( المتوفى نحو عام 170 ه / 786 م ) فقد ذكر له ابن النديم كتبا ، وصل إلينا منها كتابان هما : المفضليات ، وكتاب الأمثال .