فؤاد سزگين

28

تاريخ التراث العربي

في تدوين قصائد طوال في تلك العصور ( الجاهلية ) لم يكن بالتأكيد قد حدث بعد ، وبأن المدى الزمنى بين عصر الشعراء وعصر جمع أشعارهم وتدوينها قد يصل إلى 150 عاما أو أكثر ، وأن رواية الشعر كانت على مدى الأجيال شفاها ، فتعرض الشعر لخطأ غير مقصود ، أو لتزييف متعمد » « 79 » . وقد أشار آلورد إلى دور الرواة أثناء شرحه لكيفية حفظ الشعر القديم خلال أربعة أو ستة أجيال ، فالرواة هم « الحملة الأساسيون لعيون الشعر ، شأنهم شأن القصاص المحترفين في روايتهم للأخبار التاريخية ، وكان الرواة يروون الشعر وما ارتبط به من ظروف ، وينقلون ذلك عن طريق تلاميذهم إلى الأجيال التالية ، ولولا روايتهم الشفوية لضاع الشعر المبكر غير المدون ، باستثناء البقايا القليلة التي تدور على الألسنة » « 80 » . ولذا فقد ظهر « في منتصف القرن الثاني الهجري نشاط متزايد لإنقاذ هذه البقايا النفيسة من تراث الماضي ، وجمعها وتدوينها » « 81 » . وفي سياق تفصيلاته الأخرى عبّر آلورد عن رأيه في صيغة سؤال واضح الإجابة بقوله : « إذا كانت إزاء هذا الضرب من رواية الأشعار تتنازع الحقيقة والكذب ، الصحيح والزائف ، أيهما يكون له الغلبة على الآخر ؟ فلا بد أن يكون من الأحرى أن نتساءل كيف تكون الحال إذا كانت قصائد الشعر قد تناقلتها أفواه العامة ، تلك التي - على كل حال - لا تراعى الاهتمام بالتفاصيل أو توخى الدقة ، وذلك خلال أجيال متعددة ؟ » « 82 » . يتضح مما قيل أن رأى كل من نولدكه وآلورد كان في قضية أصالة شعر الجاهلية وصدر الإسلام متأثرا إلى حد كبير بفكرة أنه قد روى شفاها حتى القرن الثاني الهجري . وبعد أن قام شبرنجر ببحوث كثيرة منذ سنة 1856 معترضا على فكرة أن الحديث النبوي لم يتناقل إلا عن طريق الرواية الشفوية « 83 » ، فإن الباحث موير قد استطاع أن يجمع من المصادر العربية شواهد دالة على استخدام الكتابة في مجال الشعر « 84 » .

--> ( 79 ) المرجع السابق ص 1 - 2 . ( 80 ) المرجع السابق ، ص 8 ( 81 ) المرجع السابق ، ص 10 ( 82 ) Ahlwardt , a . a . O . S . 12 . ( 83 ) انظر : سزگين : تاريخ التراث العربي ، المجلد الأول ص 53 وما بعدها . وقارن بذلك بروكلمان ملحق I , 32 . ( 84 ) in : JRAS 40 / 1879 / 72 - 93 .