فؤاد سزگين
221
تاريخ التراث العربي
الواجب علينا أن نشير في الواقع إلى أن هذه المكانة العليا لا تدل على أن علماء الحديث بعده لم يتناولوه بالنقد من ناحية إسناده وترتيبه ودرجة صحة بعض أحاديثه . وهناك واقع آخر وهو أنهم لم يعتبروا الجامع الصحيح للبخاري أول كتاب مصنف مبوب يقدم العون في كل باب من أبواب الفقه وفي كل مسألة فقهية كما زعمه جولد زيهر ( Goldziher , Muh Stud . II , 243 ) بل كان لا يخفى عليهم محاولة المؤلف أنه استهدف تأليف جامع صحيح مختصر مستخرج من مصنفات الجيلين السابقين من المحدثين التي قد كثر عددها وكبرت أحجامها وتعذر على المهتمين الإحاطة بها والاستفادة منها ، ويبدو أن البخاري لم يفد من كتب الحديث فحسب بل إنه استخدم كثيرا من الكتب اللغوية والتاريخية والفقهية . أما بالنسبة للأسانيد فإن التصور الذي نجده عند بعض المعاصرين من أن البخاري هو عالم الحديث الذي طور الإسناد ، انظر مثلا ( Caetani , Annalidell Islam I , 15 ) لا يسلّم به الواقع التاريخي ، وربما لا ننحرف عن الصواب في افتراضنا أن البخاري هو أول محدث أراد أن يوجه الأنظار إلى أهمية المتون خلاف الإسناد الذي قطع طريقا أكثر من قرن ونصف من تطوره وثبت في بطون الآلاف من كتب الحديث المتداولة والمتوافرة عند الناس في عهد البخاري . ويجب علينا أن نفهم من ضرورة هذا الواقع أن البخاري أورد في كتابه 1341 حديثا دون إسناد كامل متصل ، بالإضافة إلى مقتبسات لغوية وفقهية عديدة . وقد أطلق على مثل هذا الأخذ للبخاري في القرن الرابع « التعليق » ( انظر مقدمتي لعلم الحديث » « 283 » .
--> ( 283 ) للوقوف على آراء المؤلف في مصادر البخاري انظر كتابه المنشور باللغة التركية في هذا الموضوع بعنوان : M . F . Sezgin . Buharinin Kaynaklari , Ankapa Universitesiilah iyat Fakultesiyayinla rindan , Istanbul 1956 وقد لخّص المؤلف موضوعه ومنهجه في مقدمة لهذا الكتاب باللغة الإنجليزية تقع في الصفحات 9 - 16 ، وهذه ترجمتها إلى العربية : « منذ نحوست سنوات كنت أعد طبعة محققة من كتاب « مجاز القرآن » للغوى العربي أبى عبيدة ( المتوفى 210 ه ) وقد ثبت لي بالبحث أن قسما كبيرا من هذا الكتاب قد اقتبسه البخاري وأن هذه النقول - وهي ذات