محمد عيسى صالحية
مقدمة 7
المعجم الشامل للتراث العربي المطبوع
مقدمة التراث حصيلة حضارية تجمعت لدى القوم بالعلم والعمل ، فكان نتاج جهود فكرية تمثلت في الانجازات والتجارب والخبرات والمواقف والقيم ، وغدا العنصر المهم في تماسك الأمة وفي بناء كيانها الحضاري . ولعله من نافلة القول إن نسهب في بيان قيمة تراثنا ، فهو غني في الكمية ، ثري في الكيفية ، ولا إخال أمة تضاهي الأمة العربية الاسلامية فيما أنتجت ، ويكفي إلقاء نظرة على نوعية العلوم والفنون التي اشتغل بها علماؤنا لتزيدنا يقينا بغزارة وتنوع انتاجنا الفكري في مختلف فروع المعرفة ، فلو قلبت طرفك في أثناء كشف الظنون على سبيل المثال ، لتعرفت على أكثر من مائتي علم أو فن مما اشتغل به السلف ، كآداب البحث والمناظرة والاختلاج والأسطرلاب والاكر والآلات الحربية والرصدية وآلات الساعات وآلات الظل والبنكامات والحيل والزايرجة والشروط والسجلات وعقود الأبنية والريافة والحروف والأسماء والفلاحة وقوانين الكتابة والجفر والدك والمعمى ، عدا العلوم الأصولية كعلوم القرآن والفقه والتشريع والعربية والحساب والهندسة والجبر والمقابلة وغيرها . وليس بخاف ان العصور التي تعاقبت على الأمة العربية الاسلامية بما حملته من تقلبات مأساوية ، وحالة الركود والجمود الحضاري التي لفت أمتنا العربية وأسبابا أخرى كثيرة أوجدت نوعا من الاغتراب في نفوسنا حيال تراثنا ، فبدا الاشتغال به دعوة إلى التخلف والانكفاء على الذات بعدم مواكبة الازدهار ، ولذا أدرنا عقولنا عنه ، وباتت عيوننا مبهورة بما حققته نهضة أوروبا الحديثة . وفي غمرة انبهارنا هذا ، سعت مجموعات كبيرة من علماء أوروبا نحو تراثنا درسا وتحقيقا ونشرا لهدف عرفوه ومحصوه ، وهو الامتزاج والاتصال الحضاري بما استقر عند العرب من علم وفن على مدى ستة قرون ، فكانت حملات تغريب تراثنا واستقراره في مكتبات أوروبا وخزائن كتب العالم الجديد ، حتى عد أحدهم أكثر من سبع مائة مكتبة وخزانة أجنبية تقتني نفائس تراثنا .