الشيخ السبحاني

408

تذكرة الأعيان

إنّ الإِنسان يتصوّر في بادىَ الأَمر : أنّ الشهداء هم وحدهم رواد في ميدان الدفاع والجهاد ، دون حملة الفكر والقلم ، وقادة البيان والخطابة ، الذين يخوضون الوعظ والإِرشاد ولا يقتحمون لجج المعارك الدامية ، ولا تعرفهم ساحات الوغى . هذا هو الذي يتصوّره البعض من مفهومي العالم والشهيد ، ولكن عندما يسبر الإِنسان تاريخ العلم والشهادة ويقرأه بإمعان ، ينتبه إلى عدم صواب الفكرة ، لَانّه يجد في ثنايا التاريخ طائفة كبيرة من العلماء والمفكّرين بين متضرّج بدمائه في ساحات القتال وبين مصلوب على المشانق والأَعواد ، وبين مكبّل في قعر السجون إلى أن يلفظ أنفاسه الأَخيرة في ظلماتها ، وبين مسموم تقطعت أحشاؤه وأمعاؤه إلى غير ذلك من ألوان التعذيب . وكأنَّ شاعرنا المبجّل المفلق الفقيه السيّد محمود البغدادي يشير بقوله إلى هذا المعنى وفي حقِّ هذا النمط من العلماء الشهداء في قصيدة مطلعها : رجلان في دنيا الثبات * وهبا الحياةَ إلى الحياة رجل الصراع المريع يعصف * باللئام وبالطغاة والعالم الوثّاب أُمنية * الشعوب الناهضات عاشا بلا ذات وما ك * العزَّ في سحق الذوات فكانوا يمثّلون قول الإِمام الوصي أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين : « رهبان بالليل وأُسد بالنهار » « 1 » فلم يحجبهم الخوض في المفاهيم السامية والمعاني الدقيقة أو عكوفهم على استنباط الاحكام من الكتاب والسنّة ، عن خوض عباب الحروب وتحمّل قتام الغزوات ، ومجابهة الأعداء ، وفي الحقيقة

--> ( 1 ) بحار الأَنوار : 83 - 207 من كلام الامام - عليه السلام - لنوف البكالي .