الشيخ محمد تقي التستري

504

قاموس الرجال

مهّد له مهاده وبنى ملكه وشاده ، فان يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، وإن يك جورا فأبوك اسّه ونحن شركاؤه ، فبهديه أخذنا وبفعله اقتدينا ؛ ولولا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلّمنا إليه ، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فاحتذينا مثاله واقتدينا بفعاله ؛ فعب أباك بما بدا لك ، أودع « 1 » . ومن الغريب ! أنّ الطبري المتعصّب كفّ عن نقله ؛ فقال : ذكر هشام عن أبي مخنف ، قال : حدّثني يزيد بن ظبيان الهمداني : أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية لمّا ولّي ، فذكر مكاتبات جرت بينهما كرهت ذكرها ، لما فيه ممّا لا يحتمل سماعها العامّة « 2 » . ويقال لذلك الشيخ الناصب : تلك المكاتبات لا تحتملها الخاصّة أيضا وأولو العقول السليمة ، وإنّما تحتملها الناصبة والّذين انسلخوا عن الإنسانيّة ؛ فلعمري ! كانت مضامين كتابه حقائق حقّة ، ولم يكن المقام مقاما يفتري فيه معاوية ، ولم يكن محمّد بن أبي بكر عاميّا يلبس عليه معاوية . وقال ابن أبي الحديد : قلت لأبي جعفر يحيى بن أبي زيد : إنّي لأعجب من عليّ - عليه السّلام - كيف بقي تلك المدّة الطويلة بعد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ؟ وكيف ما اغتيل وفتك به في جوف منزله مع تلظّي الأكباد عليه ؟ فقال : لولا أنّه أرغم أنفه بالتراب ووضع خدّه في حضيض الأرض لقتل ! ولكنّه أخمل نفسه واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن وخرج عن ذاك الزيّ الأوّل وذاك الشعار ونسي السيف ، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في الأرض أو راهبا في الجبال ؛ فلمّا أطاع القوم الّذين ولّوا الأمر وصار لهم أذلّ من الحذاء تركوه وسكتوا عنه ؛ ولم تكن العرب لتقدم عليه إلّا بمواطاة من متولّي الأمر وباطن في السرّ منه ، فلمّا لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع

--> ( 1 ) مروج الذهب : 3 / 12 ، وقعة صفّين : 120 ولم نعثر عليه في مقاتل الطالبيّين . ( 2 ) تاريخ الطبري : 4 / 557 .