كوركيس عواد
265
خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة
فهذه المأساة التي أحاقت بخزانة كتب عبد السلام الجيلي ، لصفحة سوداء من صحائف اضطهاد العلم ومناهضة حرية الفكر في العصور القديمة . وقد أكمل القفطي قصة حرق هذه الخزانة بالنادرة التالية لهذا السطر ، قال : « أخبرني الحكيم يوسف السبتي الإسرائيلي ، قال : كنت ببغداد يومئذ تاجرا ، وحضرت المحفل ، وسمعت كلام ابن المارستانية ، وشاهدت في يده كتاب الهيئة لابن الهيثم ، وهو يشير إلى الدائرة التي مثّل بها الفلك وهو يقول : وهذه الداهية الدهياء والنازلة الصماء والمصيبة العمياء ، وبعد إتمام كلامه خرقها وألقاها إلى النار . قال : استدللت على جهله وتعصبه ، إذ لم يكن في الهيئة كفر ، وإنما هي طريق إلى الايمان ومعرفة قدرة اللّه جلّ وعزّ فيما أحكمه ودبّره » . « 1 » وذكر القفطي ، ان عبد السلام الجيلي ، لبث في السجن معاقبة له على اشتغاله بالفلسفة ، إلى أن افرج عنه سنة 589 ه ( 1193 م ) وأعيد عليه ما كان له بعد الذي ذهب ، وعاش بعد ذلك عمرا طويلا « 2 » . وقصة حرق كتبه ، أوردها ابن العماد الحنبلي عن مصادر أخرى قديمة ، بوجه يختلف في مواطن عما ذكره القفطي . فرأينا أن ننقل ما قاله في هذا الصدد لما ينطوي عليه من فائدة للمؤرخ والمتتبع لهذا الموضوع ، قال : « . . . وقد جرت عليه ( على عبد السلام ) محنة في أيام « 3 » الوزير ابن يونس ، فإنه كبس دار عبد السلام هذا ، وأخرج منها كتبا من كتب الفلاسفة ورسائل إخوان الصفاء وكتب السحر والنارنجات « 4 » وعبادة السحر . واستدعى ابن يونس
--> ( 1 ) أخبار الحكماء للقفطي ( ص 229 ) . ( 2 ) أخبار الحكماء للقفطي ( ص 229 ) . ( 3 ) جرى حرقها ، على ما في مختصر أخبار الخلفاء لابن الساعي ( ص 120 ) ، في يوم الجمعة ثاني عشر صفر سنة 588 ه ( 1192 م ) . ( 4 ) النارنجات ، ويقال فيها النيرنجات والنيرنجيات . واحدتها النيرنج والنيرج . وهي لفظة فارسية معناها السحر والرقى وما يشبه ذلك . ( أنظر : تكملة المعجمات العربية لدوزي 2 : 741 ، والألفاظ الفارسية المعرية للسيد أدي شير . ص 155 ) .