كوركيس عواد

90

الذخائر الشرقية

فإذا أخذنا بصحة هذين النصين ، جاز لنا القول إن الكتب التي اختارتها بعثة المأمون - على ما ورد في نص ابن النديم - هي غير إحمال الكتب التي ذكرها القفطي . فكأن استيراد كتب الإغريق وإيداعها في خزانة الحكمة ببغداد من أظهر مقاصد المأمون وأقصى رغائبه . لقد أقبل المترجمون في ذلك العصر على هذه الكنوز اليونانية الرائعة ، فنهلوا من ينبوعها ونقلوا منها إلى لغة الضاد فنونا شتى في الفلسفة والطب والموسيقى والرياضيات وغير ذلك . فأغنوا بمنقولاتهم الرائقة الخزانة العربية أيما إغناء ، ووسعوا محتويات خزانة الحكمة توسيعا منقطع النظير ، فصار فيها من الكتب ما تفردت به وفاقت به على ما سواها . وأغلب هاتيك المنقولات - وهي تعد بمئات - قد ضاع مأسوفا عليه . فلا نعرف اليوم من أمر أكثرها إلا عناوينها التي نقرأها في بعض الأسفار القديمة مما تعنى بمثل هذه المواضيع . كان في هذه الخزانة طائفة من أكابر العلماء في ذلك العصر ، ولا سيما من كان ذا حظ وافر من معرفة لغة أو لغات أجنبية كاليونانية والفارسية والسريانية وغيرها من اللغات ذات التراث العلمي القديم . وكان عملهم في خزانة الحكمة ، خزن الكتب أو استنساخها أو نقلها من لغة إلى أخرى . وقد حفظ التاريخ أسماءا أو تراجم لغير واحد من أولئك العلماء الأعلام وقد مر بنا في مطاوي النصوص التي نقلناها آنفا ، أسماء سبعة منهم ، ومنهم جماعة غير من ذكرنا ، منهم : بنو موسى بن شاكر المنجم ، وهم ثلاثة اخوة : محمد وأحمد والحسن ، ويحيى بن أبي منصور الموصلي المنجم المأموني ، ومحمد بن موسى الخوارزمي ، وسعيد بن هارون الكاتب ، وحنين بن إسحاق العبادي ، وابنه إسحاق بن حنين ، وابن أخته حبيش بن الحسن الأعسم ، وثابت بن قرة ، وغيرهم . وهؤلاء العلماء الذين كانوا على اتصال دائم بخزانة الحكمة ، قد استوفيت تراجمهم وأخبارهم وأشير إلى كتبهم المنقولة أو الموضوعة ، في جملة مراجع قديمة : كالفهرست لابن النديم ، وأخبار العلماء للقفطي ، وطبقات الأمم لصاعد الأندلسي ، وتتمة صوان الحكمة للبيهقي ، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة ، وتاريخ مختصر