كوركيس عواد
89
الذخائر الشرقية
قفلا إذا ملك ما فيه ، قال : فيه على ما يقال مال الملوك المتقدمين ، وكل ملك يجيء يقفل عليه حتى لا يقال قد احتاج إلى ما فيه لسوء تدبيره ففتحه . فقال له الراهب : ليس الأمر كذلك وإنما في ذلك الموضع هيكل كانت يونان تتعبد به قبل استقرار ملة المسيح . فلما تقررت ملته بهذه الجهات في أيام قسطنطين بن الأنة ، جمعت كتب الحكمة من أيدي الناس وجعلت في ذلك البيت وأغلق بابه وقفل عليه الملوك أقفالا كما سمعت . فجمع الملك مقدمي دولته وعرفهم الأمر واستشارهم في فتح البيت ، فأشاروا بذلك . فاستشار الراهب في تسييرها إذا وجدت إلى بلد الإسلام وهل عليه في ذلك خطر في الدنيا أو إثم في الأخرى . فقال له الراهب : سيرها فإنك تثاب عليه ، فإنها ما دخلت في ملة إلا وزلزلت قواعدها . فسار إلى البيت وفتحه ووجد الأمر فيه كما ذكر الراهب ، ووجدوا فيه كتبا كثيرة ، فأخذوا من جانبها بغير علم ولا فحص خمسة أحمال ، وسيرت إلى المأمون . فأحضر لها المأمون المترجمين فاستخرجوها من الرومية إلى العربية . ثم تنبه الناس بعد ذلك على تطلبها بعد المأمون وتحيلوا إلى أن حصلوا منها الجملة الكثيرة . ولما سيرت الكتب إلى المأمون جاء بعضها تاما وبعضها ناقصا « 1 » . فالناقص منها ناقص إلى اليوم لم يجد أحد تمامه » « 2 » . فهذه الكتب التي نقلت إلى بغداد ، لم تكن إلا جانبا من تلك الخزانة اليونانية العظمى التي جمعت في أيام الإغريق وجعلت في القسطنطينية . وأشار ابن النديم في عرض كلامه على إنشاء خزانة الحكمة والعمل على توسيعها « أن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات ، وقد استظهر عليه المأمون ، فكتب إلى ملك الروم يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم . فأجاب إلى ذلك بعد امتناع . فأخرج المأمون لذلك جماعة ، منهم الحجاج بن مطر ، وابن البطريق ، وسلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم . فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا . فلما حملوه إليه أمرهم بنقله ، فنقل . وقد قيل إن يوحنا بن ماسويه ممن نفذ إلى بلد الروم » « 3 » .
--> ( 1 ) في كلام القفطي ( ص 61 ) على « كتاب المخروطات » لأبلونيوس النجار ما يؤيد هذا ، فقد قال : « . . . ولما أخرجت الكتب من بلاد الروم إلى المأمون ، أخرج من هذا الكتاب الجزء الأول لا غير . . . » . ( 2 ) القفطي ( ص 29 - 30 ) . ( 3 ) الفهرست ( ص 243 ) .