كوركيس عواد
88
الذخائر الشرقية
غرو أنه سعى لتوطيد أركان هذه الخزانة وتوسيعها وإغنائها بما استطاع جمعه من الكتب المختلفة . قال ابن نباتة المصري ، في ترجمة سهل بن هارون « 1 » « إن المأمون جعله كاتبا على خزانة الحكمة وهي كتب الفلاسفة التي نقلت للمأمون من جزيرة قبرس ، وذلك أن المأمون لما هادن صاحب هذه الجزيرة ، أرسل إليه يطلب خزانة كتب اليونان ، وكانت مجموعة عندهم في بيت لا يظهر عليها أحد أبدا . فجمع صاحب هذه الجزيرة بطانته وذوي الرأي واستشارهم في حمل الخزانة إلى المأمون ، فكلهم أشاروا بعدم الموافقة ، إلا مطرانا واحدا ، فإنه قال : الرأي أن تجعل بإنفاذها إليه ، فما دخلت هذه العلوم العقلية على دولة شرعية إلا أفسدتها وأوقعت بين علمائها . فأرسلها إليه واغتبط بها المأمون ، وجعل سهل بن هارون خازنا لها » « 2 » . فما قولك بهذا المطلب النبيل الغاية ، الذي مع دلالات كثيرة يدل على رغبة المأمون الشديدة في الكتب وتذرعه بمختلف الوسائل للحصول عليها . وهذا الخبر الطريف الذي نقلناه عن ابن نباتة ، ذكره القفطي بوجه يختلف كثيرا عنه ، فاقتضى علينا إيراده هاهنا استتماما للبحث . قال في ترجمة « أرسطوطاليس » إن المأمون « راسل ملك الروم ، وكان قد استطال عليه وأذل دين الكفر ، وطلب منه كتب الحكمة من كلام أرسطوطاليس . فطلبها ملك الروم فلم يجد لها ببلاده أثرا ، فاغتم لذلك وقال : يطلب مني ملك المسلمين علم سلفي من يونان فلم أجده ؟ أي عذر يكون لي ؟ أم أي قيمة تبقى لهذه الفرقة الرومية عند المسلمين ؟ وأخذ في السؤال والبحث ، فحضر إليه أحد الرهبان المنقطعين في بعض الأديرة النازحة عن القسطنطينية وقال له : عندي علم ما تريد فقال له : أدركني . فقال : إن البيت الفلاني في موضع كذا الذي يقفل كل ملك عليه
--> ( 1 ) رجل فارسي الأصل ، اتصل بالمأمون فولاه خزانة الحكمة . وكان أديبا كاتبا شاعرا حكيما شعوبيا يتعصب للعجم على العرب شديدا في ذلك . وكان مشهورا بالبخل وله في ذلك أخبار كثيرة . وقد صنف كتبا عديدة لم ينته إلينا منها شيء سوى رسالته في مدح البخل . توفي سهل بن هارون سنة 215 ه ( 830 م ) . راجع أخباره في البخلاء للجاحظ ( ص 10 وما بعدها ، دمشق 1938 ) ، والفهرست ( ص 120 ) ، ومعجم الأدباء ( 9 - 258 - 259 ) ووفيات الأعيان ( 1 : 252 بولاق 1275 ه ) ، وفوات الوفيات ( 1 : 181 بولاق 1283 ه ) . ( 2 ) سرح العيون شرح رسالة ابن زيدون ( ص 130 بولاق 1278 ه ) . وراجع مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده ( 1 : 242 ) .