كوركيس عواد
126
الذخائر الشرقية
نفع لكم به فنحن أولى به فأمر بالإفراج عنه . فقال له عمرو : وما الذي تحتاج إليه ؟ قال : كتب الحكمة في الخزائن الملوكية ، وقد أوقعت الحوطة عليها ونحن محتاجون إليها ولا نفع لكم بها . فقال له عمرو : لا يمكنني أن آمر فيها بأمر إلا بعد استئذان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . وكتب إلى عمر ، وعرّفه قول يحيى واستأذنه ما الذي يصنع فيها . فورد عليه كتاب عمر يقول فيه : « وأما الكتب التي ذكرتها ، فإن كان فيها ما يوافق كتاب اللّه ، ففي كتاب اللّه عنه غنى . وإن كان فيها ما يخالف كتاب اللّه ، فلا حاجة إليها . فتقدّم بإعدامها » . فشرع عمرو بن العاص في تفرقتها على حمامات الإسكندرية وإحراقها في مواقدها . وقد استنفدت في مدة تسعة أشهر ! . هذه هي الرواية الخلابة المظهر التي ذاعت في النصف الأول من القرن الثالث عشر للميلاد ، أعني بعد أن انقطع خبر مكتبة الإسكندرية وأسدل عليها الستار بنحو من ثمانمائة وخمسين سنة ! فإذا فحصنا هذه الحكاية فحصا دقيقا وأعملنا فيها نظر الانتقاد ، تبيّن لنا وجه التلفيق فيها ، واتضح لنا أنها من الروايات المصنوعة التي لا تقوى أمام التحقيق التاريخي . وأهم ما يؤخذ على هذه الرواية أمور ، كل واحد منها يكفي لتفنيدها ودحض ما ورد فيها . وفي طليعة ما يذكر من هذه المآخذ ، أن يحيى النحوي الذي يدور عليه دولاب الرواية ، لم يكن في قيد الحياة حين فتح عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية في سنة 642 للميلاد ، لأن يحيى كان قد مات قبل ذلك التاريخ بزمن طويل ، أعني أنه مات قبل دخول عمرو الإسكندرية بثلاثين أو أربعين سنة ! وثاني ما يذكر من هذه المآخذ ، أن القصة التي ألمعنا إليها قد تشير إلى إحدى مكتبتين ، اشتهرت بهما الإسكندرية على ما أسلفنا من القول : المكتبة العظمى ، وقد ذكرنا أنها بادت في الحريق الكبير الذي أحدثه يوليوس قيصر ، قبل فتح العرب للإسكندرية بسبعمائة سنة . الثانية المكتبة الصغرى ، وقد أشرنا أيضا إلى أن كتبها تلفت واختفى ذكرها قبل الفتح العربي بقرنين ونصف قرن من الأزمان . ومن تلك المآخذ أيضا ، أن المؤرخين كافة ، الذين نشئوا في القرنين الخامس والسادس للميلاد ، لم يذكروا شيئا ما عن وجود مكتبة في الإسكندرية ، ومثلهم كتّاب