كوركيس عواد

127

الذخائر الشرقية

أوائل القرن السابع . ولو كان شيء من تلك المكتبة باقيا حتى تلك الأزمان ، لأشاروا إليها في تصانيفهم ولما أغفلوا ذكرها . ومما يؤخذ على هذه الرواية أنه إذا كانت تلك الكتب قد قضي عليها بالإحراق كما ذكرت الرواية ، لأحرقت حيث هي . وما كان عمرو بن العاص ، وقد أبى أن يعطيها لصديقه يحيى النحوي ، ليجعلها في أيدي أصحاب الحمامات في المدينة ولو أنه فعل ذلك لاستطاع يحيى النحوي أو من سواه من الناس أن يستنقذوا عددا عظيما منها بأبخس الأثمان في خلال تلك الشهور الستة التي قيل إنها - أعني الكتب - جعلت وقودا للحمامات فيها . ومما تنتقد عليه هذه الحكاية ، أن مكتبة الإسكندرية ، لو قدّر لها أن تبقى حتى فتح العرب للإسكندرية وعقد الصلح بين العرب والمصريين على تسليم تلك المدينة ، لكان من أسهل الأمور وأيسرها منالا ، نقل ما في مكتبتها من كتب وإنقاذها من أيدي الفاتحين . فقد كان في جملة شروط الصلح بين الطرفين ، أن للمغلوب منهما نقل المتاع والأموال في مدة الهدنة التي بين عقد الصلح ودخول العرب في المدينة ، وكانت تلك المدة أحد عشر شهرا ، فهي مدة كافية لنقل أي مجموعة من الكتب مهما كان عددها كبيرا . وآخر ما نذكره من المآخذ على هذه الرواية ، أن جانبا لا يستهان به من كتب مكتبة الإسكندرية ، كان مكتوبا على الرق ، أي الجلد ، وهو مادة لا تصلح للوقود . فإذا استبعدنا كتب الرقوق ، فكيف يتصور المرء أن ما يبقى من سواها يكفي لوقود حمامات الإسكندرية - وعددها فيما ذكر أصحاب تلك الحكاية أربعة آلاف حمام - نعم كيف تكفي تلك الكتب لوقود هذا العدد العظيم من الحمامات مدى مائة وثمانين يوما ؟ إن هذا لمن المضحك العجيب حقا ! فهذه الأدلة التي سقناها ، ينطق كلها ببطلان الرواية ، ويشهد مع ما أوردنا من أخبار قديمة ، على أن كتب مكتبة الإسكندرية لم يكن لها وجود أثناء الفتح العربي ، ومن ثمة لم يكن للعرب قط يد في إتلافها على النحو الذي شاع في بعض المراجع المتأخرة ، أعني التي دونت في القرن الثالث عشر للميلاد ، على ما سبقت الإشارة إليه ، في حين أن المؤرخين الذين دونوا أخبار الفتوحات ممن سبق زمنه هذا القرن ، كالواقدي والبلاذري وابن عبد الحكم وسعيد بن بطريق والطبري وغيرهم من متقدمي المؤرخين لم يشيروا إلى هذه المكتبة وما كان من أمرها لا تصريحا ولا تلميحا ، بل لم يذكروها بحرف واحد في سائر مؤلفاتهم .