كوركيس عواد
234
الذخائر الشرقية
فهذه ، على ما رأيت ، آراء صريحة ، طعن فيها أبو الفرج صاحبه ، وضعّف مروياته . وليس بوسعنا أن نبدي فيها رأيا للطلب الذي قدمناه في محل آخر من هذا المقال . ونضيف الآن في ذلك ، أن عشرات الكتب في الغناء والمنادمة والشراب وما اتصل بهذه الموضوعات من قريب أو بعيد ، مما صنفه أقدم الكتبة كإسحاق الموصلي ، ويحيى بن أبي منصور الموصلي ، وعبد اللّه بن هارون ، ويونس الكاتب ، وعمر بن بانة ، وحسن بن موسى النصيبيّ ، وأبي حشيشة الطنبوريّ ، وجحظة ، وأبي أيوب المديني ، وغيرهم ؛ كل تلك الأسفار قد ضاعت وامّحى أثرها ، ولم يبق لنا منها سوى أسمائها الجميلة التي حفظها لنا ابن النديم وغيره في تصانيفهم . هذا ، وقد ذكر أبو الفرج زميله في أماكن أخرى من أغانيه ، ونقل عنه أخبارا ومرويات لا فائدة من إيرادها هنا . غير أنه في بعض نقوله كان يمر به دون ما تجريح ، ذلك إذا راعى بطالب الهدوء والاعتدال في القول ، وإلا ، فلا أقل من أن يتوّج ما ينقله عنه بعبارة : « وزعم ابن خرداذبة » « 1 » ، ولا يخفى على اللبيب ، ما تنطوي عليه لفظة « زعم » ! . فهل كان أبو الفرج في مواقفه النقدية يتعمد الإساءة إلى أقرانه ومعاصريه ممن ألّف في موضوع الأغاني وما إليها ؟ أم أنه كان على حق فيما فند وزيّف ، وقد وقفنا على رأي له في كتاب من هذا القبيل ، ننقله إلى القارئ ، لما فيه من مغزى أدبي ، قال : « وذكره جحظة [ الكلام هنا على أحمد النّصبيّ المغنيّ الطنبوري ] في كتاب الطنبوريين ، فأتى من ذكره بشيء ليس من جنس أخباره ولا زمانه ، وثلبه فيما ذكره ، وكان مذهبه - عفا اللّه عنا وعنه - في هذا الكتاب ، أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدر عليه ، وكان يجب عليه ضد هذا ، لأن من انتسب إلى صناعة ، ثم ذكر متقدمي أهلها ، كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم وظريف قصصهم ومليح ما عرفه منهم ، لا أن يثلبهم بما لا يعلم وما يعلم . فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النصبي ، وبه صدّر كتابه فقال « 2 » : وحسب القارئ أن يسأل لماذا حمل أبو الفرج على جحظة في موقفه من أحمد
--> ( 1 ) كما في ( 6 : 3161 و 8 : 22 س د ) من الأغاني . ( 2 ) الأغاني ( 5 : 153 س ، أو 6 : 63 د ) .