كوركيس عواد

512

الذخائر الشرقية

المستشرقين ومن نحا نحوهم في ميدان الاستشراق من تلامذتهم والمتصلين بهم ، وقلة إلمام أبناء العربية يومئذ بلغات الغرب الشائعة بين المستشرقين . فكانت هذه الأمور مما حفز أبناء العرب ، بعد نهضتهم ، على أن يتولوا ، هم أنفسهم ، نشر الكتب العربية فأخذوا يطبعون منها ما يرون في نشره فائدة . وما أكثر ما يستحق النشر من تلك المصنفات القديمة ! فكانت مطبعة « بولاق » في مصر ، ومطبعة « الجوائب » في استانبول ، والمطبعة « الكاثوليكية » في بيروت ، في طليعة المطابع العربية ذات الفضل العميم في نشر مجموعة كبيرة من الأسفار العربية القديمة . ثم انتشرت المطابع في معظم الأقطار العربية : الآسيوية والإفريقية ، فضلا عن انتشارها بين الأمم الإسلامية كتركية وإيران والهند وباكستان . يضاف إلى ذلك كله ، ما طبع من كتب التراث في الولايات المتحدة الأميركية منذ أواسط القرن التاسع عشر حتى اليوم . فكان من ذلك جميعا أن ازداد عدد ما نشر من كتب عربية ، فانكشف أمرها للناس ، بعد أن ظلت مخطوطاتها راقدة في ظلمات الرفوف وسكون الإهمال أعواما طوالا . ولمعظم الأقطار العربية ، حظ من نشر الكتب العربية القديمة يتفاوت فيما بينها وفرة وقلة . وعندنا أن أكثرها عناية بنشر تلك المؤلفات ، بلاد مصر . يليها العراق ولبنان وسوريا والمغرب وتونس والجزائر والكويت . ولعلّ أكثر الباحثين من غير العراقيين ، لا ينتهي إليهم ما ينشر في العراق من هذه الأسفار القديمة . وهذا نقص ظاهر ، مرجعه إلى قلة الإعلان عنها ، وإلى سوء توزيعها بين باعة الكتب في الخارج . وقد حملني ذلك على أن أفرد هذا البحث للتنويه بمشاركة العراق في نشر التراث العربي . أخذ العراق بطبع المخطوطات العربية منذ أوائل القرن التاسع عشر . وكان أقدم ما نشر فيه مطبوعا على الحجر ( Lithographed ) . ثم اتخذت فيه مطابع الحروف في نشر الكتب ، فطغت هذه الثانية على سالفتها ، حتى كادت المطابع الحجرية تندثر فيه . ومؤلفات التراث المنشورة في العراق ، منذ بدء الطباعة فيه حتى الآن ، تبلغ زهاء سبعمائة مؤلف ، تناول فيها أصحابها أفانين الثقافة القديمة . فهي تبحث في الأدب والشعر والقصة ، وعلوم اللغة ، وعلوم الدين ، والتاريخ والتراجم ، والبلدان ، والفلسفة والطب والفلك ، وشؤون من مظاهر الحضارة العربية والإسلامية : كالجواهر والنقود