الشيخ محمد رضا الحكيمي
334
أذكياء الأطباء
وخرج من عنده حنين وأقمت طويلا ، ثم خرجت فوجدت حنينا ببابه ينتظر خروجي ، فسلم عليّ وقال لي : قد كنت سألتك ستر خبري ، والآن فأنا أسألك إظهاره وإظهار ما سمعت من أبي عيسى وقوله فيّ . فقلت له : أنا مسود وجه يوحنا بما سمعت من مدح أبي عيسى لك ، فأخرج من كمه نسخة ما كان دفعه إلى جبرائيل وقال لي : تمام سواد وجه يوحنا يكون بدفعك إليه هذه النسخة ، وسترك عنه علم من نقلها ، فإذا رأيته قد اشتد عجبه بها أعلمه أنه إخراجي . ففعلت ذلك من يومي ، وقبل انتهائي إلى منزلي . فلما قرأ يوحنا تلك الفصول ، وهي التي تسميها اليونانيون الفاعلات ، كثر تعجّبه وقال : أترى المسيح أوحى في دهرنا هذا إلى أحد ؟ فقلت له في جواب قوله : ما أوحى في هذا الدهر ولا في غيره إلى أحد ، ولا كان المسيح إلّا أحد من يوحى إليه . فقال لي : دعني من هذا القول ، ليس هذا الإخراج إلّا إخراج مؤيّد بروح القدس . فقلت له : هذا إخراج حنين بن إسحاق الذي طردته من منزلك وأمرته أن يشتري قلوسا . فحلف بأن ما قلت له محال . ثم صدق القول بعد ذلك وأفضل عليه إفضالا كثيرا ، وأحسن إليه ولم يزل مبجلا له حتى فارقت العراق ، في سنة خمس وعشرين ومائتين . هذا جملة ما ذكره يوسف بن إبراهيم . أقول : ثم إن حنينا لازم يوحنا بن ماسويه منذ ذلك الوقت وتتلمذ له واشتغل عليه بصناعة الطب ، ونقل حنين لابن ماسويه كتبا كثيرة وخصوصا من كتب جالينوس ، بعضها إلى اللغة السريانية ، وبعضها إلى العربية ، وكان حنين أعلم أهل زمانه باللغة اليونانية والسريانية والفارسية والدراية فيهم ، مما لا يعرفه غيره من النقلة الذين كانوا في