عمر فروخ
505
تاريخ الأدب العربي
وهذا زمان الصبر ، من لك بالتي * كقبض على جمر فتنجو من البلا « 1 » ولو أنّ عينا ساعدت لتوكّفت * سحائبها بالدمع ديما وهطّلا « 2 » ولكنّها عن قسوة القلب قحطها ؛ * فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا « 3 » بنفسي من استهدى إلى اللّه وحده * وكان له القرآن شربا ومغسلا « 4 » وطابت عليه أرضه فتفتقت * بكلّ عبير حين أصبح مخضلا « 5 » فطوبى له والشوق يبعث همّه * وزند الأسى يهتاج في القلب مشعلا « 6 » هو المجتبى يغدو على الناس كلّهم * قريبا غريبا مستمالا مؤمّلا « 7 » ؛ يعد جميع الناس مولّى لأنّهم * على ما قضاه اللّه يجرون أفعلا « 8 » .
--> ( 1 ) هذا الزمن الذي نعيش فيه زمن محنة ومصائب وفتن ( قتال وعداوات ) كقبض على جمر ( نار ) ، لصعوبة الحياة فيه ( إشارة إلى الحديث الشريف : يأتي على الناس زمان ، الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر ) . ( 2 ) لو أنّ الناس يشعرون بما يحيط بهم من المصائب ويطلّ عليهم من التهديد لتوكّفت ( قطرت ، بكت ) عيونهم . ديما ( جمع ديمة : مطرة دائمة ) وهطّلا : مع هاطل : مطر كثير . ( 3 ) السبهلل : الفارغ ، المفرد ( بنفسه لا شيء معه ) . - ولكن عيون هؤلاء الناس لا تبكي لقسوة قلوبهم . الأعمار تمشي : تمرّ ، تنقضي . تمشي سبهللا ( يسير المرء بفرح وتكبّر مع أن عمره خال من الأعمال الصالحة ) . ( 4 ) - أفدي بنفسي كلّ إنسان يستهدي ( يطلب الهداية ) من اللّه وحده ثمّ يتّخذ القرآن ( بالاستمرار في قراءته ) شربا ( حظّا ، نصيبا ) ومغسلا ( وسيلة إلى الاغتسال من الذنوب ) لأنّ قراءة القرآن تزيد في حسنات قارئه . ( 5 ) فإذا أكثر المسلم من قراءة القرآن « طابت عليه أرضه » ( صلحت حاله بالطاعة ) و « تفتّقت » ( تشقّقت : انتشر منها ) بكلّ عبير ( رائحة طيّبة ) : شعر بالسرور والسعادة حين أصبح مخضلا ( مبتلا بالماء ) : حين تعظم حسناته فيعظم سروره ( لكثرة ما ينال من الخيرات من عند اللّه ) . ( 6 ) فطوبى له : ما أسعده ( في هذه المدّة التي يقرأ فيها القرآن ويقوم بطاعة اللّه ) . وزند ( حديدة تقدح بها النار من الحجر ) الأسى ( الحزن ) يهتاج في القلب مشعلا ( ندما على الزمن الذي مرّ في أوّل حياته ولم يكن فيه يقرأ القرآن أو يقوم بفروض الدين ) . ( 7 ) هو المجتبى ( الذي يقرّبه اللّه إليه ) ، ثمّ يصبح هذا الإنسان قريبا من الناس ( محبوبا عندهم ) ، ولكن غريبا ( لأن أمثاله قليلون ) مستمالا ( يحبّ الناس أن يقرّبوه إلى أنفسهم - أو يتقرّبون منه ) مؤمّلا ( يرجو الناس المعونة منه عند الشدائد ) . ( 8 ) مولى ( خليقا بالرعاية ) . في الأصل « أفعل » ( بفتح العين ) ، ولعلّ الأصوب أن تكون « أفعل » ( بضمّ العين ( جمع قلّة قياسيّا مثل أجبل وأنهر وأبحر ) . يحسن بالعاقل أن يعذر الناس لأنّ الأعمال السيئة التي يقومون بها ( مثل أعمالهم الحسنة أيضا ) قد كتبها اللّه عليهم .