عمر فروخ
447
تاريخ الأدب العربي
قوم من أهل دينها « 1 » ، وفيهم أبو الوليد القرطبيّ « 2 » سلطان الكلام يأمره فيوالفه وينهاه فلا يخالفه . وجرى بينهم حديث أهل البلاد ومن فيها من الأعيان والنقاد « 3 » ، فقالوا : يا أبا الوليد ، أنت حجر محكّنا وبودقة سبكنا « 4 » . وها نحن سائلوك ففضّل من يستحقّ وعيّب ، ليميّز الخبيث من الطيّب . فقال : أنا أوضح إشكالكم فاسألوا عمّا بدا لكم . فقلنا : ما تقول في القاضي أبي القاسم « 5 » ؟ فقال : علم من الأعلام وشيخ الإسلام ومنجز الأحكام وحاكم الحكّام . غير أنّه - رحمه اللّه - يتناعس للخصمين فلا يوقظه إلّا صلصلة الكفّين ، ولو قبضت على أنفه بالكلبتين . . . . قلنا : فما تقول في ابن الأبّار « 6 » ؟ فقال : رجل عطّار وبائع أبزار . فإن تناول غير هذا فهو بيطار ؛ يتعلّم حجامة الحجّام في أقفية الأيتام . قلنا : فما تقول في ابنه أبي بكر « 7 » ؟ فردّ وجهه وقطّب ، وقام على أن يذهب ؛ وقال : أبا بخر « 8 » انقلب ! قال الراوي لهذه الحكاية : فعنّفته لهذه الغواية . فقال : إنّي في كل هذا معذور ، وما هي إلّا نفثة مصدور . وأنشد : إذا أنا لم أشكر على الخير أهله * ولم أذمم الحيسن « 9 » اللئيم المذمّما ، ففيم عرفت الخير والشرّ باسمه * وشقّ لي اللّه المسامع والفما ! قال : فودّعناه وسار القوم ، وخرجنا من المدينة في ذلك اليوم . - من مطلع مقامته التي يصف فيها بغداد :
--> ( 1 ) الدين : العادة . أهل دينها ( الذين يتّبعون طريقتهم في المعيشة ) . ( 2 ) يبدو أن أبا الوليد القرطبي بطل مقامات الوهراني . ( 3 ) النقاد ( بكسر النون وتخفيف القاف ) : نوع من الغنم الرديئة . ( 4 ) حجر المحكّ تختبر به المعادن . البودقة : وعاء تصهر فيه المعادن . ( 5 و 6 و 7 ) أسماء مرتجلة ( لا تدلّ على أشخاص بأعيانهم ) . ( 8 ) البحر : الرائحة الكريهة في الفم . فردّ - لعلّها : اربدّ : تغيّر لونه . ( 9 ) الحيس : الأمر الرديء .