عمر فروخ
44
تاريخ الأدب العربي
لا يغيب في هذا العصر تقليد الناثرين في الأندلس للناثرين المشارقة في الأسلوب ( مع التقصير ) وفي الأغراض ( مع عدد من أوجه البراعة ) . أما في الأسلوب فقد طغت الصناعة والسّجع منها خاصة على معظم أبواب النثر ، وإن لمع فيها أحيانا جمل مغربة في الخيال الجميل قليلا أو كثيرا ، كقول أبي الفضل بن شرف ( ت 534 ه ) مثلا « 1 » ( تاريخ الأدب الأندلسي : عصر الطوائف والمرابطين لإحسان عباس ، ص 283 ) : « العالم مع العلم كالناظر للبحر يستعظم منه ما يرى ، وما غاب عنه أكثر - التعليم فلاحة الأذهان ، وليست كلّ أرض منبتة - الفاضل في الزمن السوء كالمصباح في البراح « 2 » ، قد يضيء لو تركته الرّياح » . وفي تقليد المشارقة نجد أبا عبد اللّه بن أبي الخصال ( ت 540 ه ) يجري على خطى ابن نباتة الفارقيّ الخطيب ( ت 374 ه ) وأبي العلاء المعريّ ( ت 449 ه ) والحريريّ صاحب المقامات ( ت 516 ه ) . وأمّا محمّد بن عبد الغفور الكلاعيّ ( ت 542 ه ) فقد اشتدّ إعجابه بالمعريّ ولم يقلّده فقط في أسلوب رسائله ، ولكن في معاني عناوين تلك الرسائل أيضا ، فقد كتب « 3 » رسالة « الساجعة والغربيب » معارضة لرسالة « الصاهل والشاحج » « 4 » لأبي العلاء ( المعريّ ) . ثم عارضه بتأليف سمّاه « ثمرة الألباب » مضاهيا بذلك « سقط الزّند » « 5 » . ومن الممكن أن نضمّ أبا الحسين سراج بن عبد الملك بن سراج ( ت 508 ه ) إلى هذا العصر في هذا الباب ، فإنه ابتدأ نوعا من الرسائل جرى فيها مجرى التفكّه والسّخرية حينما أنشأ رسالة يشفع فيها لرجل يعرف بالزريزير ، فنشأ بعد ذلك نهج في رسائل عرفت بالزّرزوريات لأنّ ابن سراج كان قد تكلم على صاحبه الزريزير موازنا بين هذا الرجل وبين الصفات المتصلة بهذا الطائر .
--> ( 1 ) لابن شرف هذا ( ت 534 ه ) ترجمة مفردة . ( 2 ) البراح : الأرض الواسعة لا نبات فيها . ( 3 ) ابن عبد الغفور ( ت 542 ه ) له ترجمة مفردة . ( 4 ) الساجعة : الحمامة . الغربيب الشديد السواد ( الغراب ) . الصاهل : الحصان . الشاحج : الحمار . والشحيج يقال أيضا لصوت البغل والغراب . ( 5 ) سقط الزند ( ديوان شعر أبي العلاء المعرّي ) .