عمر فروخ
365
تاريخ الأدب العربي
. . . وفي أيام الدولة الحفصيّة ( 625 ه - 1228 م وما بعد ) . بدأ الحفصيّون ، وهم أحفاد أبي حفص عمر بن يحيى الهنتاتيّ الحفصيّ أحد أنصار عبد المؤمن بن عليّ الموحّديّ ، ولاة للموحّدين على تونس ، قام بذلك منهم ثلاثة هم الشيخ عبد الواحد ( 603 - 618 ه ) ثمّ ابناه من بعده عبد الرحمن ثمّ عبد اللّه عبّو ( 620 - 625 ه ) . ولمّا جاء ثالث أبناء الشيخ عبد الواحد - وهو أبو زكريّا يحيى - إلى ولاية تونس ، سنة 625 ه ، في حديث طويل ، كان أمر الموحّدين في تراجع ، فأعلن استقلاله عن الموحّدين ، وهو - في الحقيقة - مؤسّس الدولة الحفصية . وتمتّعت الدولة الحفصية ، في تونس بعزّ وقوّة ، ثمّ اتّسع ملكها اتّساعا كبيرا ، ولكن غلب على رجالها وعلى تمدّنها الاتّجاه البربريّ في الحياة ( البدويّة ) ، كما غلب عليها سوء الإدارة . غير أن الحفصيّين عادوا فساروا في طريق الحضارة والثقافة شوطا بعيدا . فمنذ أيام ولايتهم قرّبوا الشعراء . ثمّ إنّ أبا زكريا يحيى أنشأ المساجد والمدارس والمكتبات وقصده الشعراء ، كما كان هو نفسه أيضا كاتبا شاعرا . وهو الذي بنى جامع القصبة ( القلعة ) وصومعته الجميلة . ولمّا انتهى بناء هذا الجامع ( غرّة رمضان 630 : 11 / 6 / 1233 م ) أذّن فيه السلطان أبو زكريّا بنفسه . وجاء بعد أبي زكريا يحيى ابنه محمّد المستنصر باللّه ( 647 - 675 ه ) - وكانت الخلافة العبّاسيّة في بغداد قد سقطت ( 656 ه - 1258 م ) على يد هولاكو المغوليّ ، فأرسل أمير مكّة أبو نميّ محمّد بن عليّ ( 652 - 701 ه ) إلى المستنصر الحفصي بمبايعة أهل مكّة والمدينة ، سنة 657 ه ، فسرّ المستنصر بذلك سرورا بالغا واحتفل بذلك اليوم احتفالا عظيما وتلقّب بلقب أمير المؤمنين ، إذ كانت الخلافة العبّاسية قد سقطت ثمّ كان هو أكبر سلاطين المسلمين في زمنه . وكذلك هاداه ملك برنو ( وبرنو سلطنة في أواسط السودان أهلها مسلمون ) . وعاش بنو حفص في الملك مدّة طويلة بعد المستنصر ، ولكنّ تلك المدّة تخرج من نطاق هذا الفصل الذي خصّت به دولة الموحّدين .