عمر فروخ
147
تاريخ الأدب العربي
جعلوها لجّة واتّخذوا * صالح الأعمال فيها سفنا « 1 » ! - وممّا ينسب إليه : إذا كنت في حاجة مرسلا ، * وأنت بإنجازها مغرم ، فأرسل بأكمه خلّابة * به صمم أغطش أبكم « 2 » ودع عنك كلّ رسول سوى * رسول يقال له الدرهم ! - لأبي بكر الطرطوشيّ قطعة عبّر فيها عن عدد من المعاني نثرا ثمّ أعاد هذه المعاني وأمثالها شعرا ، هي التي تلي ( ولعله جاء بهذه المعاني على طريقة الصوفية ) : يا بنيّ ، إذا هاج شوقي وتضعضع اصطباري واضطربت عزائمي واضطرمت بلابلي « 3 » أسرّح طرفي « 4 » فلا أراكم ، وأستقبل الركبان فلا ألقاكم . فلا نسيمكم أشمّه ، ولا شخصك أعتنقه وأضمّه ، ولا وجهك أستدنيه وألتزمه . وأبسط كفّا وأرفع إلى السماء طرفا وأذرف الدموع ذرفا ، وأقول كما قال من فهم عن اللّه أمره ولم يعارض قضاءه وقدره - لما ابتلي به من أحبابه وصبر على بلائه - : « فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ « 5 » » . يا بنيّ ، كلّما ذكرتك هاج شوقي إلى رؤيتكم ، ألحظ النجم الذي تلحظونه . وأنا أقول : أقلّب طرفي في السماء تردّدا * لعلّي أرى النجم الذي أنت تنظر ؛ وأستعرض الركبان في كلّ وجهة * لعلّي بمن قد شمّ عرفك أظفر « 6 » . وأستقبل الأرياح عند هبوبها ، * لعلّ نسيم الريح عنك يخبّر ؛ وأمشي ، وما لي في الطريق مآرب ، * عسى نغمة باسم الحبيب ستذكر « 7 » .
--> ( 1 ) جعلوها ( عدّوها ، حسبوها ) لجّة ( جانب من البحر ) . ( 2 ) الأكمه ( الذي ولد أعمى ، ولكن ) خلّابة ( خدّاع ) . صمم ( فقدان السمع ) أغطش ( به ضعف في البصر ) أبكم ( أخرس ) . ( 3 ) البلبال : شدّة الهمّ والوسواس . ( 4 ) الطرف : البصر . ( 5 ) من القرآن الكريم 12 : 18 ، سورة يوسف . ( 6 ) العرف : الرائحة الطيّبة . ( 7 ) مأرب : حاجة .