عمر فروخ
640
تاريخ الأدب العربي
ابن عمّار أن يعيد تلك القلعة إلى سلطان المؤتمن . ثمّ تمرّد بنو سهيل في قلعة شقورة « 1 » فجاء ابن عمّار ليعيد هذه القلعة أيضا إلى سلطان المؤتمن ولكنّ بني سهيل خدعوا ابن عمّار وقبضوا عليه وألقوه في السجن ، في ربيع الأول من سنة 477 ه ( آب - أوغسطس 1084 م ) ثمّ باعوه للمعتمد بن عبّاد ، في حديث طويل ، بمبلغ كبير من المال . وألقي ابن عمّار في سجن إشبيلية مدّة يسيرة ثمّ دخل عليه المعتمد بن عبّاد وقتله بيده . وبرغم القسوة التي نسبت إلى المعتمد بن عبّاد ، فإنّ قلوب الناس لم ترقّ لمقتل ابن عمّار ، وخصوصا بعد أن اشتهر عنه أنّه كان يداخل ملوك الإسبان لانتزاع المدن من أيدي ملوك الأندلس حتّى يستبدّ هو بحكم تلك المدن أو حتّى يضيفها إلى ملك بني عبّاد أو حتّى تخرج من يد أصحابها المسلمين لتدخل في حكم الإسبان . ولقد عبّر عبد الجليل بن عبدون عن عاطفة الصداقة الّتي يكنّها نحو ابن عمّار إلى جانب النّفور من خياناته حينما رثاه فقال : عجبا له ! أبكيه ملء مدامعي * وأقول : لا شلّت يمين القاتل ! 2 - كان لابن عمّار الأندلسيّ ذكاء مفرط وطموح بعيد وثقافة واسعة واختبار كثير ، غير أنه كان قليل المبالاة بالعرف وبالمثل العليا عند السّعي لتحقيق مآربه في الحياة . وابن عمّار شاعر . مطبوع مكثر ضاع قسم من شعره ، ويقال إنّه قد أحرق هجاءه قبل موته . وشعره فصيح اللفظ متين السّبك مشرقيّ الديباجة في الأكثر مع شيء من الرشاقة الأندلسية . وهو يعتمد الصورة الحسّيّة والتعبير الرّصين عن الفكرة لإبراز أغراضه . ولا تراه يتكلّف الصناعة ؛ وإذا هو فعل ذلك واتته الصورة الحسّيّة ثم أخطأ هو الصناعة البحت ، ففي قوله مثلا : يوم تكاثف غيمه فكأنّه * دون السماء دخان عود « 2 » أخضر ؛
--> ( 1 ) شقور ( كصبور ) بلد في الأندلس . ( 2 ) العود ( الغصن ، الحطب ) الأخضر لا يشتعل بسهولة ، ولذلك يكثر دخانه .