عمر فروخ
590
تاريخ الأدب العربي
القرطبيّ النحوي ( ت 432 ه ) . ولكن يبدو أن عبقريّة ابن زيدون قد صقلت بدراساته الخاصّة وبالاختبار في الحياة . وقد ظهر ذلك واضحا في مرثيته لشيخه ابن ذكوان - وهو بعد في العشرين من عمره . ( ب ) لمّا اضطرب أمر بني أميّة في قرطبة - قبل سقوط الخلافة نهائيّا - وفرّ هشام الثالث عنها ، سنة 422 ه ، كان أبو الحزم جهور بن محمّد بن جهور وزيرا له . خاف أهل قرطبة من عواقب الاضطراب والفوضى ووجدوا في أبي الحزم بن جهور حاكما قديرا فولّوه أمر المدينة . وقد أنشأ أبو الحزم في قرطبة دويلة من دويلات الطوائف . واتّصل ابن زيدون بالدويلة الناشئة باكرا ووزر لأبي الحزم جهور ( وزارة استشارة لا وزارة عمل ) . وقد كان أبو الحزم وابن زيدون صديقين من قبل ثمّ كانت لابن زيدون ، من أوّل أمره ، آمال سياسيّة سنحت الآن فرصة الوصول إلى شيء منها . بذلك قذفت ريح السياسة بابن زيدون في تيّار الحياة العامّة بما فيها من خصومة ومكائد . وفي هذا التيّار التقى شراع ابن زيدون - في الحياة - بشراع ولّادة ابنة المستكفي . وأعظم الاحداث أثرا في حياة ابن زيدون وفي أدبه كان اتّصاله بولّادة . كانت ولّادة ابنة للخليفة المستكفي من أمة له مستعربة من أهل مورور اسمها سكرى . كان الخليفة المستكفي نفسه رجلا جاهلا ضعيف الإرادة والرأي منغمسا في اللهو مستهترا به . وكانت سكرى امرأة خبيثة شرّيرة . أما ولّادة فكانت فتاة جميلة بيضاء شقراء مائلة إلى الصهبة ( الحمرة ) ، كما كانت ذكية متأدّبة بالفنون والآداب قوية الشخصية ؛ ولكنّ جمالها وذكاءها كانا يطغيان على ثقافتها وأدبها . ويروى لولّادة شيء من الشعر يغلب عليه الفحش والاستهتار . ولمّا قتل المستكفي ( 416 ه - 1025 م ) انفلتت ولّادة من القيود الأخلاقية والاجتماعية وجعلت دارها منتدى لرجال الأدب وانصرفت إلى كثير من أسباب اللّهو . في هذه الفترة اتّصلت ولّادة بابن زيدون - ويبدو أنّها كانت لدة له أو تصغره قليلا - أغراها به أدبه وشبابه . ولقد نعم الحبيبان بأيّام وليال مشهورة عند الناس .