عمر فروخ
591
تاريخ الأدب العربي
كان من المنتظر أن يقع ابن زيدون في حبّ ولّادة . وكذلك كان من المنتظر أن تستجيب ولّادة لدعوة الحبّ التي تمثّلت في شباب ابن زيدون وفي جاهه الاجتماعي ومكانته الأدبية . ولعلّ ولّادة كانت ذات آمال سياسيّة - كابن زيدون نفسه - فساقها ذلك إلى أن توثّق صلتها به ، وخصوصا بعد أن أصبح ابن زيدون أثيرا في بلاط بني جهور . هذا على رأي من يعتقد أن صلة ولّادة بابن زيدون قد نشأت قبل قيام الدويلة الجهوريّة . غير أنّ هذا الحبّ الذي بدأ باكرا ثمّ اشتعل بأشدّ ما يكون من السرعة وبأشدّ ما يكون من العنف لم يعش في صفائه ووفائه سوى بضعة أشهر ثمّ أخذ يفتر بمثل السرعة التي كان قد نشأ بها . انّ قلب ولّادة تغيّر قبل قلب ابن زيدون . ومردّ ذلك إلى عدد من الأسباب فيما قيل . ولكنّ أقرب تلك الأسباب إلى التصديق الظاهر على الأقلّ أنّ ابن زيدون تعلّق بجارية سوداء بارعة في الغناء كانت لولّادة ، قيل ليثير غيرة ولّادة فتعود اليه . وقد عاتبت ولّادة في ذلك ابن زيدون ، كما أنّ ابن زيدون قد أقرّ على نفسه بأنّ ميله إلى الجارية السوداء كان ذنبا له ، ولكنّه ذنب أجبرته ولّادة نفسها على ارتكابه . وبعد ، فنحن لا نعلم اليوم مبلغ هذا الحبّ : أكان حبّا صريحا للجارية السوداء نفسها أو حبّا عذريا لوقع غنائها في قلبه . وحاول ابن زيدون أن يستردّ عطف ولّادة ببراعته الشعرية ، ولكنّ ولّادة لم تأبه به . ولا ريب في أن حبّ ابن زيدون لولّادة - برغم ما يقال فيه - قد أوحى إلى ابن زيدون أجمل قصائده . ولقد أخطأ ابن زيدون في الطريق التي أراد أن يسلك بها إلى . قلب ولّادة ، كما ضلّ عنترة الطريق إلى قلب عبلة لمّا ظنّ أن الفخر بنفسه وبقوّة طعنه وضربه في ميادين القتال يقرّبه من قلب الفتاة اللعوب . إنّ ابن زيدون وعنترة لم يرزقا براعة امرئ القيس وبراعة عمر بن أبي ربيعة في خطاب المحبوبة ! وأرادت ولّادة أن تغيظ ابن زيدون وتجازيه غيظا بغيظ فألقت شباك هواها على رجل قليل الذكاء واسع الثراء قليل العلم عظيم الجاه هو الوزير أبو عامر بن عبدوس - وكانت في حاجة إلى رجل من مثله تفرض عليه إرادتها ويطيعها في كلّ شيء - ثمّ قطعت صلتها بابن زيدون مرّة واحدة . غير أن تعلّق ابن زيدون بولّادة