عمر فروخ
55
تاريخ الأدب العربي
ثارت على عبد الرحمن الداخل فتن كثيرة فتغلّب عليها كلّها ، وقد قتل الصميل بن حاتم وعبد الرحمن الفهريّ في فتنة من تلك الفتن ، سنة 142 ( 759 م ) . وقطع عبد الرحمن الداخل صلته بإفريقية وتركها للمتنازعين فيها . ثمّ إنّه لم يحاول أن يغيظ العبّاسيّين فلم يتسمّ بالخلافة احتراما لحقّهم فيها وتجنّبا للنزاع معهم . الخوارج في أقطار المغرب لمّا جدّ الأمويون في المشرق في تتبّع الخوارج ، انتقل عدد من فرق الخوارج إلى المغرب كالأزارقة « 1 » والصفريّة « 2 » والإباضيّة ( وسيأتي الكلام على النشاط السياسيّ للخوارج مفرّقا في أماكنه ) . ولكن لا بدّ هنا من كلمة في « الإباضيّة » لأنّهم كانوا أبعد أثرا في تاريخ المغرب : من طرابلس ( في غربيّ ليبيا ) إلى المغرب الأقصى على شاطئ المحيط الأخضر ( الاطلنطيقي ) . وهم وحدهم الذين استطاعوا أن يؤسّسوا دولة بالمعنى المألوف ، هي الدولة الرستميّة . الإباضيّة أتباع عبد اللّه بن إباض « 3 » التميميّ . وهو من التابعين ( الذين أدركوا صحابة رسول اللّه ولم يدركوا رسول اللّه نفسه ) . ويبدو أنّه من أهل الكوفة ثمّ خرج
--> ( 1 ) الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق ( ت نحو 65 ) كانوا كثيري التشدّد في كلّ شيء : حكموا على مخالفيهم بالشرك واستباحوا قتل المخالفين لهم مع نسائهم وأطفالهم ( راجع « الفرق بين الفرق » لعبد القاهر البغدادي ، ص 50 - 54 ) . قالوا : كلّ ذنب صاحبه مشرك . ( 2 ) الصفرية هم أتباع زياد بن الأصفر ، في المشهور ، يتشدّدون كالأزارقة ، ولكن لا يقولون بقتل النساء والأطفال من مخالفيهم . ( الفرق بين الفرق ، ص 54 - وما بعد ) . ( 3 ) راجع ترجمة مبسوطة لعبد اللّه بن إباض : الأعلام للزركلي 4 : 184 - 186 ( 61 - 62 ) . وفي النشأة السياسية للمذهب ، راجع « مختصر تاريخ الإباضية » وفي آراء الإباضية ، راجع الفرق بين الفرق 61 وما بعد . ويبدو أنّ الصفرية كانوا ذوي النشاط الملحوظ في المغرب كلّه منذ ظهرت دعوة الخوارج عامّة ، وخصوصا في قبيلة برغواطة ، سنة 122 ( ابن عذاري 1 : 52 ، شذرات الذهب 1 : 160 ) . واستطاع أمير إفريقية محمّد بن الأشعث الخزاعي ( 143 - 148 ) ، في مطلع إمارته أن يهزم الإباضيّة في معركة قتل فيها زعيمهم أبو الخطّاب . فلمّا علم بذلك عبد الرحمن بن رستم الإباضيّ فرّ إلى نواحي تيهرت فاختطّها ونزلها ( 144 - 761 م ) . وبذلك انتقل المذهب الإباضي في المغرب من حركة فقهيّة إلى تنظيم سياسي ، ومن جماعة دينية إلى دولة .