عمر فروخ
539
تاريخ الأدب العربي
* وسائل لي عمّا لي من العمر ، * وقد رأى الشيب في الفودين والعذر « 1 » ، أجبته : « ساعة ؛ لا شيء أحسبه * عمرا سواه بحكم العقل والنظر » . فقال لي : « كيف ذا ؟ بيّنه لي ، فلقد * أخبرتني أشنع الأنباء والخبر » « 2 » . فقلت : « إنّ التي قلبي بها علق * قبّلتها قبلة يوما على خطر ؛ فما أعدّ ، ولو طالت سنيّ ، سوى * تلك السّويعة بالتحقيق من عمري » ! * جرى الحبّ منّي مجرى النّفس * وأعطيت عيني عنان الفرس « 3 » . ولي سيّد لم يزل نافرا ، * وربّما جاد لي في الخلس « 4 » . فقبّلته طالبا راحة * فزاد أليلا بقلبي اليبس « 5 » . وكان فؤادي كنبت هشيم * يبيس رمى فيه رام قبس « 6 » . * وددت بأن القلب شقّ بمدية * وأدخلت فيه ثم أطبق في صدري ، فأصبحت فيه لا تحلّين غيره * إلى منقضى يوم القيامة والحشر : تعيشين فيه ما حييت ، فإن أمت * سكنت شغاف القلب في ظلم القبر . * لقد بوركت أرض بها أنت قاطن ، * وبورك من فيها وحلّ بها السعد : فأحجارها درّ وسعدانها ورد * وأمواهها شهد وتربتها ندّ « 7 » . * فأيّام عمر المرء متعة ساعة * تمرّ سريعا مثل لمعة بارق . وقد آذنت نفسي بتقويض رحلها * وأسرع في سوقي إلى الموت سائقي « 8 »
--> ( 1 ) الفود : الشعر السائل من جانب الرأس . العذر ( بضمّتين ) جمع عذار ( بالكسر ) : الشعر النابت على صفحة الخدّ . ( 2 ) الخبر ( مفرد ) : ما ينقل من أحوال الناس . وكان حقّ الكلمة أن تكون جمعا لأنّها هنا معطوفة على جمع ولأنّ الأفصح أن يضاف اسم التفضيل إلى جمع لا إلى مفرد ، نقول : أحسن الأشياء ( لإمكان المفاضلة بين أشياء متعدّدة ) ولا نقول : أحسن شيء ( وإن كان المولّدون قد فعلوا ذلك فقال المتنبّي مثلا : « وخير جليس في الزمان كتاب » ) ( 3 ) أعطيت عيني عنان ( رسن ) الفرس : أطلقت نفسي تفعل ما تريد ( بالنظر بالعينين فقط ) . ( 4 ) في الخلس ( بفتح فسكون ) انتهاز الأمر . والخلسة ( بالضمّ ) : النهزة والفرصة ( بالضمّ فيهما ) . ( 5 ) الأليل : الاضطراب ، الحرارة . اليبس ( ربما بفتح وكسر : اليابس ) : الذي نسي الحب وفارقه الشباب - لعلّ ابن حزم قصد بالأليل « الاحتراق » ( راجع البيت التالي ) . ( 6 ) هشيم : يابس . قبس : شيء مشتعل . ( 7 ) درّ : لؤلؤ . السعدان : نبت تأكله الإبل وتسمن من أكله . شهد : عسل . ند : نبات طيّب الرائحة . ( 8 ) آذن : اقترب . بتقويض رحلها ( بيتها ) للرحيل عن الدنيا .