عمر فروخ
519
تاريخ الأدب العربي
الضروب طبعا وتكره تلك الأصوات جبلّة « 1 » ، وأودّ ( أن ) لو أجد مسكنا لا أسمع فيه شيئا من ذينك « 2 » ، ويتعذّر عليّ وجوده لغلبة ذلك الشأن على أهل تلك الناحية وكثرته عندهم « 3 » . وإنّي لساهر ليلة - بعد إغفاءة في أوّل ليلتي ، وقد سكنت تلك الألفاظ المكروهة وهدأت تلك الضروب المضطربة - وإذا ضرب خفيّ معتدل حسن لا أسمع غيره ، فكأنّ نفسي أنست به وسكنت إليه ولم تنفر منه نفارها من غيره . ولم أسمع معه صوتا « 4 » . وجعل الضرب يرتفع شيئا فشيئا ونفسي تتبعه وسمعي يصغي إليه إلى أن بلغ في الارتفاع إلى ما لا غاية وراءه « 5 » . وارتحت له ونسيت الألم . وتداخلني « 6 » سرور وطرب . وخيّل إليّ أن أرض المنزل ارتفعت بي ، وأنّ حيطانه تمور حولي « 7 » . وأنا في كلّ ذلك لا أسمع صوتا . فقلت في نفسي : أمّا هذا الضرب فلا زيادة عليه . فليت شعري ، كيف صوت الضارب وأين يقع من ضربه « 8 » ؟ ولم ألبث أن اندفعت جارية تغنّي في هذا الشعر بصوت أندى من النّوّار غبّ القطار « 9 » وأحلى من البارد العذب على قلب الهائم الصبّ « 10 » . فلم أملك نفسي أن قمت - ورفيقاي نائمان - ففتحت الباب وتبعت الصوت ، وكان قريبا منّي ، فاطّلعت من وسط منزلي على دار فسيحة ، وفي وسط الدار بستان كبير ، وفي وسط البستان شرب « 11 » نحو من عشرين رجلا قد اصطفّوا - وبين أيديهم شراب وفاكهة وجوار قيام بعيدان وطنابير وآلات لهو ومزامير « 12 » لا يحرّكنها - وجارية جالسة ناحية وعودها في حجرها ، وكلّ
--> ( 1 ) الضروب جمع ضرب : العزف على آلة موسيقية . الجبلّة : الطبع . ( 2 ) من ذينك الشيئين ( صوت العزف وصوت الغناء ) . ( 3 ) لكثرة اهتمامهم بالطرب . ( 4 ) الصوت : الأغنية ، النشيد ( بخلاف العزف ) . ( 5 ) إلى ما لا غاية وراءه ( بعده ، فوقه ) : صوت مرتفع جدّا . ( 6 ) تداخلني : لزمني ، أقام فيّ ( استقرّ في نفسي . . . ) ( 7 ) مار يمور : اضطرب وماج . ( 8 ) الضارب : العازف على الآلة الموسيقية . أين يقع من ضربه ؟ ( أصوته جميل مثل عزفه ؟ ) . ( 9 ) النوار : الزهر الأبيض . القطار : المطر . أندى من النوار : أكثر نضارة وجمالا . ( 10 ) الهائم الصبّ : المحبّ الذي هام ( تحيّر واضطرب ) من شدّة الحبّ . ( 11 ) الشرب ( بفتح فسكون ) : جماعة يشربون ( الخمر ) معا . ( 12 ) المزمار : آلة موسيقية من آلات النفخ ( من قصب أو من أنبوب مشابه للقصب ) .