عمر فروخ
458
تاريخ الأدب العربي
وما فيّ إلّا الشعر أثبته الهوى * فسار به في العالمين فريد « 1 » . أفوه به - لم آته متعرّضا * لحسن المعاني - تارة فأزيد « 2 » . فإن طال ذكري بالمجون فإنّني * شقيّ بمظلوم الكلام سعيد « 3 » . وهل كنت في العشّاق أول عاشق * هوت بحجاه أعين وخدود « 4 » ؟ وإن طال ذكري بالمجون فإنّها * عظائم لم يصبر لهنّ جليد « 5 » : فراق وسجن واشتياق وذلّة * وجبّار حفّاظ عليّ عتيد « 6 » . فمن مبلغ الفتيان أنّي بعدهم * مقيم بدار الظالمين وحيد : مقيم بدار ساكنوها من الأذى * قيام على جمر الحمام قعود « 7 » . وقلت لصدّاح الحمام وقد بكى * على القصر إلفا والدموع تجود « 8 » : ألا أيّها الباكي على من تحبّه ، * كلانا معنّى بالخلاء فريد « 9 » . وما زال يبكيني وأبكيه جاهدا * وللشّوق من دون الضلوع وقود « 10 » ؛ إلى أن بكى الجدران من طول شجونا * وأجهش باب جانباه حديد « 11 » . أطاعت أمير المؤمنين كتائب * تصرّف في الأموال كيف يريد « 12 »
--> ( 1 ) فريد : ( لا مثيل له ) ، يعني الشاعر بذلك نفسه . ( 2 ) مع أنّني لا أتطلّب المعاني فإنّ في شعري من المعاني أكثر ممّا في شعر غيري . ( 3 ) إذا أكثر الناس من القول بأنّي ماجن ( خليع ، هاجم على اللذات ) ، فهذا الكلام يشقيني ( يؤسفني ، يحزنني ) لأنّ قائله يقصد اهانتي . كما أنّني في الوقت نفسه سعيد بهذا الكلام لأنّه يدلّ على شبابي ونشاطي . ( 4 ) أضاع حجاه ( عقله ) لمّا رأى عيون الحسان وخدودهن . ( 5 ) وإذا اشتهر عني أنني ماجن فلأنّ الإغراء الذي نلقاه من الحسان الجميلات لا يستطيع الإنسان أن يقاومه مهما يكن جليدا ( صبورا مالكا لعواطفه ) . ( 6 ) الحفّاظ : الملائكة الذين يكتبون حسنات المرء وسيّئاته . جبّار حفّاظ ( الذي يتولّى الرقابة علي من هؤلاء جبّار لا يتساهل معي في شيء ! ) عتيد : حاضر ( لا يفارقني ، يرى كلّ ما أعمله ) . ( 7 ) قيام على جمر الحمام قعود : ( متعرّضون للموت في كلّ حين ! ) . ( 8 ) يبكي على إلف ( بكسر الهمزة ) حبيب . على القصر ( طائر الحمام الواقف على سطح القصر ) . ( 9 ) كلانا معنّى بالخلاء فريد : كلّ واحد منّا يحب أن يكون وحده في مكان خال من الناس . ( 10 ) من دون الضلوع وقود ( في طيّ الضلوع اشتعال ) . ( 11 ) الشجو : الحزن . أجهش : تهيّأ للبكاء ( بكى ) . حتّى الباب الذي هو من حديد بكى حزنا علينا . ( 12 ) تصرّف في الأموال ( ؟ ) : تتصرّف هي بالأموال ( ؟ ) .