عمر فروخ
366
تاريخ الأدب العربي
والبدر كالمرآة غيّر صقلها * عبث الغواني فيه بالأنفاس « 1 » ! - من إنشاء ابن برد الأكبر كان عبد الرحمن بن أبي عامر حاجبا لأمير المؤمنين هشام المؤيّد بن الحكم في ولايته الأولى ( 366 - 399 ه ) والمستبد بأمور دولته . ثمّ طمع في أن يكون رسم الخلافة أيضا له فأجبر هشاما المؤيّد على أن يجعله وليّا للعهد . فاضطرّ هشام إلى القبول . وقد كتب ابن برد الأكبر هذه الوثيقة في ربيع الأول من سنة 398 ( أواخر 1007 م ) : هذا ما عهد به هشام المؤيّد باللّه أمير المؤمنين إلى الناس عامّة ، وعاهد اللّه عليه من نفسه خاصّة . . . بعد أن أنعم النظر وأطال الاستخارة وأهمّه ما جعله اللّه إليه من الإمامة « 2 » . . . واتّقى حلول القدر بما لا يصرف ، وخشي إن هجم محتوم ذلك عليه ونزل مقدوره به ولم يرفع لهذه الأمّة علما تأوي إليه « 3 » أن يلقى ربّه تبارك وتعالى مفرّطا ساهيا عن أداء الحقّ إليها . وتقصّى عند ذلك من أحياء قريش وغيرها « 4 » من يستحقّ أن يسند هذا الأمر إليه ويعوّل في القيام عليه ، ممّا يستوجبه بدينه وأمانته وهديه وصيانته بعد اطّراح الهوى ، والتحرّي للحقّ ، والتزلّف « 5 » إلى اللّه جلّ جلاله بما يرضيه - وبعد أن قطع الأواصر وأسخط الأقارب « 6 » - فلم يجد أحدا هو أجدر
--> ( 1 ) غير صقلها - جعل صفحتها غير صافية . - لأنّ النساء الجميلات يقرّبنها من وجوههنّ فتصل أنفاسهنّ إليها فينشأ على صفحتها شيء من بخار الماء ! ( 2 ) أنعم النظر : دقّقه ( نظر في تفاصيل الأشياء ) . في الأصل : أمعن . الاستخارة : طلب الخير ( والتفكير فيما يريد الرجل أن يفعله ) . وأهمّه . . . : جعل يفكّر في عواقب خلو الخلافة بعده من امام عادل . ( 3 ) اتّقى : خاف . حلول القدر ( مجيء الموت ) . بما لا يصرف : في حال لا يمكن معها التفكير بأمره المحتوم والمقدور : الموت . علم : شيء بارز عال يهتدي الناس به ، ملجأ ، حصن . تأوى إليه الأمة : تلجأ إليه وتحتمي به في الشدائد . ( 4 ) تقصّى : بحث بحثا دقيقا . أحياء قريش : قبائل العرب وبيوتاتهم ( في الأندلس ) وغيرهم ( من البربر ومن المولّدين : المسلمين في الأندلس من أصل أسباني ) . ( 5 ) اطّراح : ترك ، إهمال . الهوى ( ميل النفس إلى شيء - إلى أن يكون الخليفة المقبل عربيا أمويّا ) . التحرّي : الطلب والتفتيش . التزلّف : التقرّب . ( 6 ) قطع الأواصر جمع آصرة : القرابة . أسخط : أغضب .