عمر فروخ

314

تاريخ الأدب العربي

ولمّا شبّ قدم إلى قرطبة طلبا للعلم فتلقّى اللغة على أبي عليّ البغداديّ القاليّ ( ت 356 ) وأبي بكر بن القوطيّة ( ت 367 ) ، كما سمع الحديث من أبي بكر بن معاوية القرشيّ . ثمّ إنّ ابن أبي عامر أصبح كاتبا لدى القاضي أبي بكر محمّد بن إسحاق بن السليم ( 306 - 367 ه ) . وفي سنة 356 ( 967 م ) عهد الحكم المستنصر إلى ابن أبي عامر بجميع شؤون ابنه الأمير هشام وجعله ناظرا على أملاك زوجته صبح « 1 » . وفي سنة 358 أصبح قاضيا للجند في إشبيلية ولبلة ثمّ ( 361 ه ) أصبح صاحب الشرطة . وقد استطاع ابن أبي عامر بلباقته ودهائه وكرمه أن ينال حظوة لدى أهل البلاط جميعهم . ولمّا مات الحكم المستنصر بويع لهشام بالخلافة ، في رابع صفر من سنة 366 ( 2 / 9 / 967 م ) ، ولقّب « المؤيّد » ، قبل أن تتمّ له اثنتا عشرة سنة ، فأقامت أمّه صبح نفسها وصيّة عليه . في ذلك اليوم جعل هشام خطط الشرطة الوسطى والسكّة والمواريث لابن أبي عامر . وفي عاشر صفر جعل هشام الحجابة ( رئاسة الوزراة ) لجعفر ابن عثمان المصحفي ( راجع ، فوق ، ص 294 ) وجعل ابن أبي عامر وزيرا للمصحفي . وفي سنة 366 نفسها كثر الاضطراب في أقاصي الأندلس وخيف من هجوم النصارى على شماليّ الأندلس ، فعقدت صبح مجلسا ضمّ رجال الدولة وفيهم غالب بن عبد الرحمن الصقلبي - وكان قائدا قديرا تولّى الجيش والغزوات منذ أيام عبد الرحمن الناصر - وجعفر بن عثمان المصحفي وابن أبي عامر . فأجمع أهل المجلس على وجوب تجهيز جيش كبير للجهاد ، فلم يجسر أحد على القيام شخصيّا بالحرب . فتقدّم ابن أبي عامر لتولّي مثل هذه الغزوة . وكانت صبح حريصة على تثبيت مكانة ابنها بكلّ سبيل فأعطت ابن أبي عامر كلّ ما طلبه من مال وجند . وكان ابن أبي

--> ( 1 ) السيّدة صبح البشكنسية ( من البشكنس : سكان الطرف الشمالي الغربي من إسبانية ) كانت زوج الحكم المستنصر وأمّ ابنه هشام . وكان الحكم يسمّيها « جعفر » تحبّبا . كانت امرأة قديرة . وكانت - بلا ريب - ذات أثر كبير في رفع مكانة ابن أبي عامر . وفي الروايات كلام كثير على صلة صبح بابن أبي عامر واختلاف أكثر .