عمر فروخ
197
تاريخ الأدب العربي
البارع لمظاهر الطبيعة كان في الأندلس - منذ هذا الدور الباكر - أحد مقوّمات الأدب الأندلسيّ . ولقد رأينا في صورة العصر السابق ( عصر الأمراء المتوارثين ) اتّكاء يحيى الغزال ( ت 250 ) في الخمريّات على أبي نواس . ويحسن أن نشير هنا إلى أنّ ابن درّاج القسطلّيّ ( ت 421 ) - بعد الغزال بجيلين من الدهر أو يزيدان « 1 » - قد اتّكأ في إحدى مدائحه ( والغاية هنا ضرب مثل فقط ) على قصيدة بعينها لأبي نواس نفسه ، في الفنّ والغرض والنفس والبحر والقافية . ولم ينس ابن درّاج أن يودّع امرأته - قبل أن يذهب إلى الممدوح - وأن يمنّيها عطاء جزيلا ، كما فعل أبو نواس تماما . وهذا يتّضح بأدنى نظر من مقارنة قصيدة ابن درّاج « دعي عزمات المستضام تسير » بقصيدة أبي نواس « أجارة بيتينا ، أبوك غيور » . وفي مختارات ابن درّاج جانب من قصيدته المذكورة . ثمّ بالغ المغاربة والأندلسيّون في محاكاة المشارقة في الأغراض ، حتّى في وصف الصحراء والبادية ، ووصف الأطلال والنياق ، مع أنّ الغالب على الأندلس خاصّة كثرة الأنهار والرياض . أمّا الأسلوب فإنّه أصبح في هذا الدور - عموما - أكثر رشاقة وأناقة ، مع فصاحة الألفاظ وسهولة التراكيب ووضوح المعاني ، وإن كان ذلك الأسلوب ذاته قد ركّ تركيبه قليلا أو كثيرا . غير أنّ الشاعر الفصيح لم يدخل شيئا من الألفاظ العاميّة في شعره ولا ترك الإعراب . ويلفت النظر أنّ الأندلسيّين والمغاربة قد استعملوا ألفاظا عربية لم تبق - منذ ذلك الحين - مألوفة في المشرق ، كما اجتهدوا في اشتقاق صيغ متنوّعة أو في استحداث معان جديدة لصيغ قديمة بحسب ما اقتضته أحوال بيئاتهم . وهذا ما حمل المستشرق الهولنديّ راينهارت دوزي على تصنيف قاموس لهذه الألفاظ والصيغ والمعاني « 2 » . وربّما لجأت أنا إلى الإشارة إلى عدد من الصيغ
--> ( 1 ) الجيل ثلاث وثلاثون سنة . ( 2 ) R . G . Dozy . ( 1828 - 1882 )