عمر فروخ
158
تاريخ الأدب العربي
ويا رسول العين من لحظها * بالردّ والتبليغ ما أسرعك : تذهب بالسرّ وتأتي به * في مجلس يخفى على من معك كم حاجة أنجزت إبرازها ! * تبارك الرحمن ، ما أطوعك ! - وله في الزهد : يا من يراوغه الأجل ، * حتى م يلهيك الأمل « 1 » ؟ حتى م لا تخشى الردى * وكأنه بك قد نزل « 2 » ؟ أغفلت عن طلب النجا * ة ، ولا نجاة لمن غفل ؟ هيهات تشغلك المنى ؛ * ولم يدوم بك الشغل « 3 » ؟ فكأنّ يومك لم يكن ، * وكأنّ نعيك لم يزل « 4 » . - وأذنب بعض موالي الأمير عبد اللّه يوما فقال له الأمير عبد اللّه ( ابن عذاري 2 : 154 ) : إنّ مخايل الأمور لتدلّ على خلاف قولك وتنبئ عن باطل تنصّلك « 5 » . ولو أقررت بذنبك واستغفرت لجرمك لكان أجمل بك وأسدل لستر العفو عليك « 6 » . فقال له المذنب : قد اشتمل الذنب عليّ وحاق الخطأ بي 7 . وإنّما أنا بشر ، وما يقوم لي عذر . فردّ عليه الأمير عبد اللّه : مهلا عليك ، رويدا بك . تقدّمت لك خدمة وتأخّرت لك توبة ، وما للذنب بينهما مدخل . وقد وسعك الغفران 8 .
--> ( 1 ) راوغه : داوره ، يبدو مبتعدا عنك ، يقترب وبالعكس . ( 2 ) الردى : الموت . وكأنه قد نزل : سينزل عمّا قريب جدّا . ( 3 ) إنّ الأماني الكاذبة تنسيك الموت ، فلما ذا يدوم اشتغالك بالأماني الكاذبة ؟ الشغل ( بفتح ففتح أو بضم فضم ) . ( 4 ) كأنّ اليوم الذي أنت فيه ( أنت حيّ فيه ) لم يأت ، وكأنّك لا تزال مهدّدا بالموت . ( 5 ) مخايل ( جمع مخيلة بفتح الميم وكسر الخاء ) : دلائل ، علامات . تنصّل من الذنب : أظهر أنّه بريء منه ( 6 ) الجرم : الذنب الكبير . أجمل بك : أليق بك وأحسن لك . أسدل ( فعل تفضيل ) ( 7 ) حاق : أحاط ( 8 ) تقدّمت لك خدمة ( اهتمام بأمورنا ) وتأخرت لك توبة ( لقد تبت أخيرا ) : قد وسعك الغفران : غفرنا لك !