عمر فروخ

110

تاريخ الأدب العربي

للّه الذي هدانا للإسلام وأكرمنا بمحمّد عليه السلام . وأبقانا بعد تناسخ « 1 » الأمم حتّى أخرجنا في الأمة المكرّمة التي جعلها أمّة وسطا شاهدة لنبيئها بالتبليغ ومصدّقة لجميع الأنبياء وشاهدة على جميع الأمم بالبلاغ من الأنبياء عليهم « 2 » السلام منّا من اللّه ورحمة . أرسل إلينا نبيئه محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالهدى ووعده بالنصر على الأعداء وضمن له الفلج والغلبة ووعده بالعصمة « 3 » وقال له عزّ وجلّ : « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ ، بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ . وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ » « 4 » . فأدّى ما أمره اللّه به ونصح لأمّته ودعا إلى سبيل ربّه وجاهد عدوّه وغلظ على الكفّار ولان للمؤمنين ، فكان لهم كما وصفه اللّه تعالى رؤوفا رحيما . حتّى انقضت مدّته وفنيت أيامه واختار له ربّه ما عنده فقبضه « 5 » إليه محمود السعي مشكور العمل صلّى اللّه عليه وسلّم . فلم تبق خصلة من خصال الخير الدالّة على الرشد إلّا دعا إليها وسنّها أو فرضها أو أوجبها ، ولم تبق خصلة من خصال الشر الداغية إلى الهلكة إلّا زجر عنها وأمر باجتنابها رحمة من اللّه لعباده . فله الحمد على ذلك كثيرا . ثمّ أمر تعالى بالجهاد في سبيله والقيام بحقّه والأخذ بأمره والانتهاء عمّا نهى عنه ، وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإغاثة الملهوف والقيام مع المظلوم والقمع « 6 » للظالمين لكيلا تقوم للشيطان دعوة ولا تثبت لأهل حزبه قدم ولا ينفذ لهم حكم . . .

--> ( 1 ) تناسخ الأمم ( هنا ) تطوّر بعض الأمم من بعض وترقّيها في سلّم الحضارة . ( 2 ) هذه الجملة مقتبسة من ثلاث آيات : من سورة البقرة ( 2 : 143 ) « وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً » ثمّ من سورة آل عمران ( 3 : 110 ) « كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ ( بفتح الهاء ) عَنِ الْمُنْكَرِ » ثمّ من سورة النساء ( 4 : 41 ) « فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ؟ » . - هذا مثال واحد ، ومغظم جمل أفلح تشبه ذلك . ( 3 ) العصمة ( هنا ) : الحماية من الناس ( دفع ضرر الناس عن الرسول ) ، راجع الآية المستشهد بها . الفلج الظفر . ( 4 ) راجع سورة المائدة ( 5 : 67 ) . ( 5 ) اختار له ربّه ما عنده ( عند ربّه ) : فضّل له الحياة الأخرى على هذه الحياة الدنيا . قبضه إليه : توفّاه ( نقله من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى ) . ( 6 ) الملهوف : المظلوم الذي يطلب من الناس مساعدتهم . القمع : القهر والإذلال .