عمر فروخ
699
تاريخ الأدب العربي
وهذا الكتاب إنّ نظر ( اليه ) بعين الإنصاف رئي أنفع من الحماسة التي لهج « 1 » الناس بها وأخذوا أولادهم بحفظها . فإنّ الحماسة لا يستفاد منها أكثر من الترغيب في الشجاعة والضيافة وشيء يسير من الاخلاق في الباب المسمّى بباب الأدب ، والتأنّس بالمذاهب الشعرية . وهذا الكتاب يستفاد منه في الخصال المذكورة ويستفاد منه في قواعد السياسة وأدوات الرئاسة . فهذا فيه ما في الحماسة ، وليس في الحماسة ما فيه . وإنّه ليفيد العقل قوّة والذهن حدّة والبصيرة نورا ؛ وهو للخاطر الذكيّ بمنزلة المسنّ الجيّد للفولاذ . وهو أيضا أنفع من المقامات « 2 » التي الناس بها معتقدون وفي تحفّظها راغبون ، إذ المقامات لا يستفاد منها سوى التمرّن على الإنشاء والوقوف على مذاهب النظم والنثر . نعم ، وفيها حكم وحيل وتجارب ، إلّا أنّ ذلك ممّا يصغّر الهمّة إذ هو مبنيّ على السؤال والاستجداء والتحيّل القبيح على تحصيل النزر الطّفيف ؛ فإن نفعت من جانب ضرّت من جانب . وبعض الناس تنبّهوا على هذا من المقامات الحريريّة والبديعيّة « 3 » ، فعدل ناس إلى نهج البلاغة من كلام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، فإنّه الكتاب الذي يتعلّم منه الحكم والمواعظ والخطب والتوحيد والشجاعة والزهد وعلوّ الهمّة . . . . . . ولعلّ قائلا أن يقول : لقد بالغ في وصف كتابه وحشا ما شاء في جرابه ( 4 ) ، والمرء مفتون بابنه وشعره . فإن اعتراه ريب فليتأمّل الكتب المصنّفة في هذا الفنّ ، فلعلّه لا يرى فيها كتابا أجمع للمعنى الذي قصد به من هذا الكتاب . . . 4 - الفخري ( تحرير آلوارت ) ، غوتنجن ( برتيس ) 1860 م ؛ ( تحرير ديرنبرغ ) ، باريس ( بوييون ) 1895 م ، 1905 م ؛ مصر ( شركة طبع الكتب العربية ) 1317 ه ؛ القاهرة ( مكتبة العرب ) 1339 ه ؛ مصر ( المطبعة الرحمانية ) 1340 ه ؛ مصر 1345 ه ( 1927 م ) ؛ بيروت ( دار بيروت للطباعة والنشر ) 1385 ه - 1966 م . * * بروكلمان 2 : 207 ، الملحق 2 : 201 - 202 ؛ زيدان 3 : 215 - 216 ؛ دائرة المعارف الاسلامية 3 : 956 ؛ الأعلام للزركلي 7 : 174 .
--> ( 1 ) كتاب الحماسة أو ديوان الحماسة لأبي تمام ( راجع ، فوق ، ص 2 : 253 ) . لهج بالشيء : أولع ( بالبناء للمجهول ) به وأكثر من ذكره . ( 2 ) المقامات ( راجع ، فوق ، 2 : 412 وما بعد ، 595 وما بعد ؛ ثم 3 : 238 ) . ( 3 ) المنسوبة إلى بديع الزمان وإلى الحريري ( راجع الحاشية السابقة ) .