عمر فروخ
619
تاريخ الأدب العربي
القدماء من غير أن يخرج ذلك بهم إلى ابتكار . من ذلك مثلا قول ابن مكانس ( ت 794 ه ) : يصف شجرة إلى جانب نهر النيل مائلة نحو شاطئه : مالت على النهر إذ جاش الخرير به * كأنّها أذن مالت لإصغاء . وكانت أقوال الشعراء في الخمر تقليدا للعبّاسيّين ولأبي نواس خاصّة . ولكنّ الشعراء الذين أدركوا عصر المماليك البحرية أو عاشوا في إبّان ذلك العصر نظموا في الحشيشة أيضا : يفضّلون هذه على تلك مرّة ثمّ يفضّلون تلك على هذه مرّة أخرى . ولمّا منع الملك الظاهر بيبرس الخمر والحشيشة أخذ نفر من الشعراء يتفكّهون في التندّر على هذا المنع ، فقد قال ناصر الدين بن النقيب ( 687 ه ) : منع الظاهر الحشيش مع الخم * ر فولّى إبليس من مصر يسعى . قال : ما لي وللمقام بأرض * لم أمتّع فيها بماء ومرعى « 1 » ! وكثرت الفكاهة في الشعر ، في هذا العصر ، كثرة ظاهرة ، كما نرى في شعر أبي الحسين الجزّار ( ت 679 ه ) وشعر سراج الدين الورّاق ( ت 695 ه ) . واتّسع النظم في الألغاز اتّساعا كبيرا . والألغاز في الأصل باب من أبواب الصناعة المعنويّة ( الاستعارة ) والصناعة اللفظيّة ( التورية ) مع شيء من التعمية في سياقة المعنى . قال ابن عبد الظاهر ( ت 692 ه ) ملغزا في كوز ( إناء صغير له أذن - أي عروة - يغرف به الماء ) : وذي أذن بلا سمع * له قلب بلا قلب . إذا استولى على حبّ * فقل ما شئت في الصبّ . ( عروة الكوز تسمّى ، في اللغة العامّيّة ، اذنا ، واذن الكوز لا تسمع . والكوز واسع ولكنّه فارغ ، فقلب الكوز أي وسطه لا قلب فيه ، أي لا عضو فيه كعضو الإنسان المسمّى قلبا . والحبّ بضمّ الحاء : المحبّة والجرّة العظيمة . ثمّ الصبّ هو المحبّ . والصّب هو مصدر بمعنى دفق الماء ) . وأكثر شعراء هذا العصر من نظم الموشّحات ولكن بلا إجادة ، كما أن الناثرين قد أكثروا من وضع المقامات بلا براعة .
--> ( 1 ) الماء كناية عن الخمر ( السائلة ) والمرعى كناية عن « الحشيش » . وفي كلمة « الحشيش » تورية بين الحشيش الذي يتعاطاه الناس سكرا وبين الحشيش الذي تأكله البهائم .