عمر فروخ
588
تاريخ الأدب العربي
لا تعتب الدهر في شيء رماك به ؛ * إن استردّ ، فقدما طالما وهبا « 1 » . حاسب زمانك في حالي تصرّفه * تجده أعطاك أضعاف الذي سلبا . واللّه قد جعل الأيام دائرة * فلا ترى راحة تبقى ولا تعبا . ورأس مالك - وهي الروح - قد سلمت ؛ * لا تأسفنّ لشيء بعدها ذهبا . وربّ مال نما من بعد مرزئة ؛ * أما ترى الشمع بعد القطّ ملتهبا « 2 » ؟ . - وقال يرثي : أراك هجرتني هجرا طويلا ، * وما عوّدتني من قبل ذاكا . عهدتك لا تطيق الصبر عنّي * وتعصي في ودادي من نهاكا ؛ فكيف تغيّرت تلك السجايا ، * ومن هذا الذي عنّي ثناكا « 3 » ؟ فلا ، واللّه ، ما حاولت غدرا ؛ * فكلّ الناس يغدر ما خلاكا . وما فارقتني طوعا ، ولكن * دهاك من المنيّة ما دهاكا . فيا من غاب عنّي وهو روحي * - وكيف أطيق عن روحي انفكاكا - لقد حكمت بفرقتنا الليالي ، * وليست عن رضاي ولا رضاكا ! - وله في العتاب : من اليوم تصافينا * ونطوي ما مضى منّا : فلا كان ولا صار ، * ولا قلتم ولا قلنا . وان كان ، ولا بدّ ، * من العتب فبالحسنى ؛ فقد قيل لنا عنكم * كما قيل لكم عنّا . كفى ما كان من هجر ، * وقد ذقتم وقد ذقنا ؛ وما أحسن أن نر * جع للوصل كما كنّا ! - وقال : وثقيل ما برحنا * نتمنّى البعد عنه .
--> ( 1 ) عتب : ( هنا ) لام . فقد ما طالما وهبا : لقد أعطاك كثيرا في ما مضى . ( 2 ) المرزئة : المصيبة الكبيرة ( بالأنفس ) . الشمع : الشمع الذي يستضاء به . القط : القطع ( قطع رأس الفتيلة إذا كثر احتراقها ويبس أعلاها فقل مرور الزيت فيه ، فخف ضوئها ، حينئذ يقصون الجزء الأعلى اليابس من الفتيلة فيقوى ضوئها ) . ( 3 ) السجايا : الخصال الحميدة . ثناك الأمر الفلاني عني : لفتك ، ردك .