عمر فروخ
353
تاريخ الأدب العربي
في هذا المقطع استطراد طويل ، ولكنّه استطراد نافع ! ولقد أدرك المسلمون في العصور الوسطى هذا الخطر فكان أوّل تبدّل في حياتهم الاجتماعية أنّهم تركوا العصبية القومية التي سيطرت على عواطفهم وسياستهم منذ قيام الدولة الأموية ، سنة 40 للهجرة ( 660 م ) وتبدّلوا بها الشعور الإسلامي . إنّ العرب كانوا قد أصبحوا قلّة بعد أن دخلت أمم من أهل آسية وإفريقية واوروبة أيضا في الإسلام أفواجا . ثمّ انّ العرب الذين كانوا دائما هم الطبقة الحاكمة قد جنى عليهم الترف . من أجل ذلك لا نستغرب إذا علمنا أن الأكراد والأتراك هم الذين قاموا بالعبء الأكبر من القتال في أثناء الحروب الصليبية . وإذا لم يكن ثمّت شكّ في أن الفرنجة الذين جاءوا في الحملات المتتابعة على الشرق انّما جاءوا بدافع دينيّ عنيف - وإن كانت أهداف الذين كانوا وراءهم أهدافا سياسية واقتصادية في الأكثر - فإنّ من غير المعقول أن يهمل المسلمون العنصر الدينيّ في الدفاع عن بلادهم وعن أنفسهم . وتطرّف الشعور الدينيّ فرسخت حركة التصوّف واتّسعت . ومع أن المقصود الأوّل أن تكون حركة التصوّف اتّجاها نحو تقيّة اجتماعية ( أن يكون ظاهرها العبادة وباطنها الجهاد ) ، فإنّ جماعات وأفرادا كثيرين هربوا إلى التصوف من خوف حمل التبعة : إذا كان فرد لا يستطيع الحرب أو لا يريد الحرب ثمّ كره أن يعترف بالعجز الجسديّ أو النفسي فلا أهون عليه من أن يخترع فلسفة يجادل بها عن ضعفه ، كما فعل كثيرون من المتصوّفين . هذا التطوّر الاجتماعيّ لم يتناول المسلمين فقط ، بل تناول الإفرنج الصليبيّين أيضا . من أجل ذلك كثر اختلاط الأمم والشعوب في أثناء الحروب الصليبية بالزواج وبالاحتكاك المعاشي . وفي أسماء العرب في الشرق الأوسط وفي أجسامهم سمات واضحة ، كما أن في أسماء جماعات من الأوروبيّين وفي ملامح وجوههم إلى اليوم سمات ، مشرقية أو عربية . ومثل ذلك نجده في أنواع الطعام واللباس والبناء : لقد أخذ الاوروبيّون كلّهم منّا الصفّة والسكّر والصفر والشراب بأسمائها فقالوا : - Sofa , Sucre ( Sugar , Zucker , etc . ) , Cypher ( Cifra , Ziffer , Chiffre ) , Sirop - كما أخذنا نحن منهم في هذا القرن : التلفون والسنما والفلم والتلفزيون مع أسمائها !