عمر فروخ

173

تاريخ الأدب العربي

وذلك في شهور سنة أربع وستين وأربعمائة . . . . وهذا حين أسوق صدر الكتاب إلى العجز . . . وكنت على ألّا أزاود الثعالبيّ في يتميته ولا أزجّه في كريمته الّا ما تجذّبت شؤون الأحاديث اليه فأفرغ كلامي عليه . . . . فكرّرت في كتابي هذا أسماء قوم من أعلام العلوم الذين هم أسنمة الأدب وغواربه ، ومنهم مشارق الشعر وفيهم مغاربه ممّن رأيته وكان لقاؤه لعيني كحلا أو سمعت به فكانت أخباره لسمعي تحلا « 1 » ( ! ) . . . . وإذا أنا كنزت على شعراء العصر جريدة فريدة ثم انتهيت إلى مكانهم منها فأسقطت شذورهم من النظام ، وطفرت إلى من وراءهم طفرة النّظام لم آمن أن يقال هذا رجل ضيّق العطن قصير الشطن « 2 » قليل الثبات كثير الوثبات يتخطّى رقاب الأحياء إلى رفات الأموات . . . . . فإن اتّفق من هذا الجنس شيء فلا مشاركة الا في اثبات الاسم ، والشرط ألّا أعيد الاشعار التي تجمّلوا بها في كتبهم ، وان أعدّت ذكر الشاعر الذي تكثّروا به في صحفهم « 3 » . . . . . ولا أخلي اسم كلّ فاضل من إشارة إلى سبب من أسبابه ، وإيماء إلى نسب من أنسابه . اللهمّ الّا أقواما ما عثرت بأساميهم في الدفاتر فاشتبهت عليّ أغفالهم ولم تفتح

--> ( 1 ) صدر الكتاب ( أوله ) وعجزه ( آخره ) : أصبح الكتاب جاهزا من أوله إلى آخره . وكنت على ( قصدت ) ألا أزاود الثعالبي في يتيمته ( ألا أجعل كتابي أكبر من كتابه بأن أضم الشعراء الذين ضمهم هو ثم أضم إليهم جماعة آخرين ) . لا أزجه ( أطعنه ) في كريمته ( كتابه القيم ) ، أي أسرق منه . . . . إلا ما جاء من ذلك عرضا فاتفق أن ذكرت في كتابي مثل ما ذكر في كتابه . تحلا ( ؟ ) لعلها نحلا ( بضم النون مجانسة كحلا ) : عطية . ( 2 ) أسقطت شذورهم ( الشذور قطع صغيرة من الذهب توضع واحدة منها بين كل حبة وحبة من حبات اللؤلؤ في العقد ) : تركت الذين ليس لهم الا قليل من الشعر . النظام ( الخيط الذي تجمع به حبات العقد ) . طفرت : قفزت ( تركت ) . طفرة النظام : الطفرة قضية من قضايا الفلسفة الرياضية وردت عند زينون الأيلي ( ت 430 ق . م ) تقول : إذا كانت المسافة بين نقطتين تتألف من نقاط غير متناهية ، فكيف يمكننا أن نقطها في زمن متناه ؟ والجواب : إننا حينما نسير لا نمس جميع النقاط التي يتألف منها الخط الذي نتبعه في سيرنا ، بل نطفر ( نثب ، نقفز عن نقاط من غير أن نمسها ) . وقد تكلم أبو إسحاق إبراهيم النظام ( ت 231 ه ) في هذه القضية حتى أصبحت جزءا من عقيدته الفلسفية . يقصد المؤلف : لم أضم في كتابي جميع الشعراء الذين في زماني ؛ ولكني جمعت عددا من أشعار الاحياء ولم آخذ شيئا لأحد من الأموات ( الذين سبقوا زمني ) . العطن : مبرك الإبل . ضيق العطن : قليل المال ( قليل المادة الأدبية ) . قصير الشطن ( الحبل ) : لا يستطيع أن يستقي من الآبار ( لم يستطع أن يملأ كتابا بشعر للأحياء فأضاف اليه شعرا من دواوين الشعراء الذي ماتوا ) . ( 3 ) - أحيانا أذكر اسم شاعر ورد في كتاب يتيمة الدهر للثعالبي ولكن أذكر له أشعارا جميلة لم تذكر في اليتيمة .