عمر فروخ

102

تاريخ الأدب العربي

قلت له ، والأرض في ناظري * أضيق منها كفّة الحابل « 1 » : بليت ، واللّه ، بمملوكة * في مقلتيها ملكا بابل « 2 » . فإن لحاني عاذل في الهوى * يوما ، فما العاذل بالعادل « 3 » ! - من مقدّمة يتيمة الدهر : . . . . وقد سبق مؤلّفو الكتب إلى ترتيب المتقدّمين من الشعراء والمتأخّرين ، وذكر طبقاتهم ، ودرجاتهم وتدوين كلماتهم والانتخاب من قصائدهم ومقطوعاتهم . فكم من كتاب فاخر عملوه ، وعقد باهر نظموه ، لا يشينه الآن إلّا نبوّ العين عن إخلاق جدّته وبلى بردته ومجّ السمع لمردّداته وملالة القلب من مكرّراته « 4 » ، وبقيت محاسن أهل العصر التي معها رواء الحداثة ولذّة الجدّة وحلاوة قرب العهد وازدياد الجودة على كثرة النقد غير محصورة بكتاب يضمّ نشرها « 5 » . . . . . . ولقد كنت تصدّيت لعمل ذلك في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة ، والعمر في إقباله والشباب بمائه ؛ فافتتحته باسم بعض الوزراء مجريا إياه مجرى ما يتقرّب به أهل الأدب إلى ذوي الأخطار والرتب . . . . . . وحين أعرته على الأيام بصري وأعدت فيه نظري تبيّنت مصداق ما قرأته في بعض الكتب : « إنّ أول ما يبدو من ضعف ابن آدم أنّه لا يكتب كتابا فيبيت عنده ليلة إلّا أحبّ في غدها أن يزيد فيه أو أن ينقص منه » - هذا في ليلة واحدة ، فكيف في سنين عدّة ! . . . . فقلت . . . . . . : لم لا أبسط فيه عنان الكلام وأرمي في الإشباع والإتمام هدف المرام ؟ فجعلت أبنيه وأنقضه ، وأزيده وأنقصه ، . . . . ، والأيام تحجز ، وتعد ولا تنجز ؛ إلى أن أدركت عصر السنّ والحنكة . . . . فاختلست لمعة من ظلمة الدهر وانتهزت رقدة من عين الزمان . . . . وخفّة من زحمة الشوائب واستمررت في تقرير هذه النسخة الأخيرة

--> ( 1 ) كفة ( بكسر الكاف ) . الحابل : الصائد الذي يصيد الحيوان بالحبل . كفة حابل : حبل معقود ليشد على عنق الحيوان ( ولذلك تصبح بعد الشد ضيقة جدا ) . ( 2 ) بليت : أصبت ببلاء ( مرض ، مصيبة ، ضيق ) . مملوكة : جارية ( جميلة ) . ملكا بابل ( من الملائكة ) : هاروت وماروت اللذان علما الناس السحر ( يقصد : في عينيها جميع قوى السحر ) . ( 3 ) لحا : لام . العاذل : الذي يلوم المحب . ( 4 ) يشينه : يعييه . نبو : نفور ، ابتعاد . اخلاق ( بكسر الهمزة ) : تهرؤ ، بلى . البرد : الثوب . ( 5 ) أهل العصر ( الذي كان الثعالبي يعيش فيه ) . رواء : جمال المنظر . حلاوة قرب العهد : حب الناس للأشياء التي ألفوها . ازدياد الجودة على كثرة النقد : مع كثرة ما انتقدها النقاد ظلت جيدة ( لأنها جيدة فعلا ) .