عمر فروخ

492

تاريخ الأدب العربي

في كتاب الأغاني أربعمائة من الشعراء في الأكثر ومن المغنين في لأقلّ ترجم لهم الأصفهاني تراجم مقصودة مبسوطة تناول فيها أنسابهم وأخبارهم وأشعارهم وأصواتهم . فإذا اعتبرت الشعراء والمغنّين الذين ورد ذكرهم في كتاب الأغاني عرضا مع شيء من أخبارهم وأشعارهم ، بلغ هؤلاء ألفا ومائتين . فإذا اعتبرت سائر الأعلام من الأدباء والولاة والخلفاء واللغويين والقواد والأعيان والعوامّ كان لك في كتاب الأغاني ثروة تاريخية أدبية لا مثيل لها . ثم إنّ في كتاب الأغاني صورة مبسوطة للحضارة العربية منذ الجاهلية إلى أواخر القرن الثالث للهجرة ( التاسع للميلاد ) تتناول الحياة الاجتماعية في جانبها الهيّن المرح في الأكثر : مجالس اللهو والخمر ، حياة البلاط ، الأسواق الأدبية ، اللباس والطعام ، صلات الخلفاء والأمراء بالشعراء وبالعامة ، الغناء وأسبابه وقواعده ، الخ . على أن الأصفهاني لم يحاول أن يتّبع في كتابه كلّه نسقا مخصوصا ولا قاعدة ثابتة ، ولا هو أراد أن يستنفد الأخبار التي جاء بها أو أن يحقّقها أو أن يأتي بها دائما منسوبة إلى رواتها ، بل ربما لفّق الخبر إلى شبهه ، أو ترك الخبر الأوثق ليأتي بالخبر الأطرف . إن الأصفهاني لم يرد أن يؤلّف كتابا في قواعد الغناء أو تاريخ الشعر ، ولا كان همّه الإتيان بالتاريخ على وجهه . ولكن بما أن الكتب التي اعتمدها الأصفهانيّ قد ضاعت ، فإنّ كتاب الأغاني يعدّ اليوم مصدرا أساسيا « 1 » للشعر العربي وللحياة العربية في الجاهلية وصدر الإسلام وفي صدر الدولة العبّاسيّة ، ثم مصدرا مهمّا في التاريخ العربي . مختارات من مقدّمة كتاب الأغاني قال مؤلّف هذا الكتاب : « ولعل بعض من يتصفّح ( كتابنا ) ينكر تركنا تصنيفه أبوابا على طرائق الغناء أو على طبقات المغنّين في أزمانهم ومراتبهم ، أو على ما غنّي به من شعر شاعر . والمانع من ذلك والباعث على ما نحوناه علل : منها أنّا لمّا جعلنا ابتداءه الثلاثة الأصوات المختارة كان شعراؤها من

--> ( 1 ) كتاب الأغاني في الحقيقة مرجع يقوم مقام المصدر ( راجع تاريخ الجاهلية للمؤلف ، بيروت 1384 ه - 1964 م ، ص 12 ) .