عمر فروخ

493

تاريخ الأدب العربي

المتأخّرين ، وأوّلهم أبو قطيفة ، وليس من الشعراء المعدودين ولا الفحول ، ثم عمر بن أبي ربيعة ثم نصيب . فلمّا جرى أول الكتاب هذا المجرى ، ولم يمكن ترتيب الشعراء فيه ، ألحق آخره بأوله وجعل على حسب ما حضر ذكره . وكذلك المائة الصوت المختارة فإنها جارية على غير ترتيب الشعراء والمغنين . وليس المغزى في هذا الكتاب ترتيب الطبقات وإنما المغزى فيه ما ضمّنه من ذكر الأغاني بأخبارها ، وليس هذا مما يضرّ فيها . ومنها أن الأغاني قلّما يأتي منها شيء ليس فيه اشتراك بين المغنين في طرائق مختلفة لا يمكن معها ترتيبها على الطرائق ، إذ ليس بعض الطرائق ، ولا بعض المغنّين ، أولى بنسبة الصوت اليه من الآخر . ومنها أن ذلك لو لم يكن كذلك لم يخل فيها - إذا أتينا بغناء رجل رجل وأخباره ، وما صنّف إسحاق وغيره - من أن نأتي بكل ما أتى به المصنّفون والرواة منها ، على كثرة حشوه وقلّة فائدته ، وفي هذا نقض ما شرطناه من إلغاء الحشو ، أو أن نأتي ببعض ذلك ( فقط ) فينسب الكتاب إلى قصور عن مدى غيره . وكذلك تجري أخبار الشعراء ، فلو أتينا بما غنّي به من شعر شاعر منهم ولم نتجاوزه حتى نفرغ منه . . . . لكانت للنفس عنه نبوة وللقلب منه ملّة . وفي طباع البشر محبّة الانتقال من شيء إلى شيء ، والاستراحة من معهود إلى مستجدّ . وكلّ منتقل اليه أشهى إلى النفس من المنتقل عنه ، والمنتظر أغلب على القلب من الموجود . وإذا كان هذا هكذا فما رتّبناه أحلى وأحسن ليكون القارئ له - بانتقاله من خبر إلى غيره ، ومن قصّة إلى سواها ، ومن أخبار قديمة إلى محدثة ، ومليك إلى سوقة ، وجدّ إلى هزل - أنشط لقراءته وأشهى لتصفّح فنونه ، لا سيّما والذي ضمّنّاه إياه أحسن جنسه وصفو ما ألّف في بابه ولباب ما جمع في معناه ! » لأبي الفرج الأصفهانيّ دفاع عن أبي تمّام يتكافأ فيه الأدب الرفيع والخلق النبيل . قال أبو الفرج ( الأغاني 15 : 96 ، 12 : 67 ، بولاق 12 : 70 ) : « وفي عصرنا هذا من يتعصّب له فيفرط حتّى يفضّله على كلّ سالف وخالف ، وأقوام يتعمّدون الرديء من شعره فينشرونه ويطوون محاسنه ، ويستعملون القحة والمكابرة في ذلك ليقول الجاهل بهم إنّهم لم يبلغوا علم هذا وتمييزه إلا بأدب فاضل وعلم ثاقب . وهذا مما يتكسّب