عمر فروخ

473

تاريخ الأدب العربي

يعلّلها نطاسيّ الشكايا * وواحدها نطاسيّ المعالي « 1 » . إذا وصفوا له داء بثغر * سقاه أسنّة الأسل الطوال « 2 » . وليست كالإناث ولا اللواتي * تعدّ لها القبور من الحجال « 3 » . مشى الأمراء حوليها حفاة * كأن المرو من زفّ الرئال « 4 » . وما التأنيث لاسم الشمس عيب ، * ولا التذكير فخر للهلال . ولو كان النساء كمن فقدنا * لفضّلت النساء على الرجال . يدفّن بعضنا بعضا ، ويمشي * أواخرنا على هام الأوالي « 5 » . أسيف الدولة ، استنجد بصبر . * وكيف بمثل صبرك للجبال ! وفي سنة 350 ه ( 961 م ) توفّي أبو شجاع فاتك ، وكان قائدا زميلا وصديقا لكافور ، فلما استبدّ كافور بحكم مصر وقعت الوحشة بينهما فاعتزل فاتك إلى ضيعة له بالفيّوم . ونمت الصداقة بين المتنبّي وفاتك لكرههما كافورا . والمتنبّي يرثي فاتكا بالشجاعة والكرم وسموّ الهمّة ويستطرد إلى الوعظ والحكمة : الحزن يقلق والتجمّل يردع ، * والدمع بينهما عصيّ طيّع . أني لأجبن عن فراق أحبّتي ، * وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع . تصفو الحياة لجاهل أو غافل * عمّا مضى فيها وما يتوقّع ، ولمن يغالط في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال فتطمع . أين الذي الهرمان من بنيانه : * ما قومه ؟ ما يومه ؟ ما المصرع ؟ تتخلّف الآثار عن أصحابها * حينا ، ويدركها الفناء فتتبع . يا من يبدّل كلّ يوم حلّة ، * أنّى رضيت بحلّة لا تنزع !

--> ( 1 ) يعللها : يداويها . نطاسي الشكايا : الطبيب . النطاسي : العالم ( الطبيب البارع القدير ) . واحدها ابنها الوحيد ( لم يكن لها ابن غيره ) . ( 2 ) - إذا ثارت فتنة في ثغر ( تخم من تخوم بلاده ) داواه بالرماح الطويلة ( بالحرب ) . ( 3 ) الحجال جمع حجلة ( بفتح ففتح ) : ستر المرأة . ( 4 ) المرو : الحصا . زف الرئال : ريش النعام . ( 5 ) - يدفن المتقدمون تحت الأرض ثم يسير المتأخرون ( الاحياء ) فوق الأرض ، كأنهم يسيرون فوق هام ( رؤوس ) الذين سبقوهم في الحياة .