عمر فروخ
474
تاريخ الأدب العربي
ما زلت تدفع كلّ أمر فادح * حتى أتى الأمر الذي لا يدفع ! قبحا لوجهك ، يا زمان ، فإنه * وجه له من كلّ لؤم برقع : أيموت مثل أبي شجاع فاتك * ويعيش حاسده الخصيّ الأوكع « 1 » ؟ أبقيت أكذب كاذب أبقيته ، * وأخذت أصدق من يقول ويسمع . من كان فيه لكلّ قوم ملجأ ، * ولسيفه في كلّ قوم مرتع . وتوفّيت خولة ، أخت سيف الدولة الكبرى ، سنة 352 ه ( 963 م ) ، وبلغ الخبر إلى المتنبي - وكان قد ترك مصر وجاء إلى الكوفة - فنظم في رثائها قصيدة بارعة بعث بها إلى سيف الدولة يعزّيه . هذه المرثية فوق مراثي المتنبّي كلّها جودة واتّقاد عاطفة . إنها رثاء صحيح . وقد وفف نفر من النقّاد ومؤرخي الأدب من المتنبّي ، من أجل هذه القصيدة ، موقفا قاسيا : قالوا إنّ المتنبّي كان يحبّ خولة ، ولولا ذاك لما جرى رثاؤها على لسانه بمثل هذه العاطفة والجودة . قد يكون ذلك صحيحا ، ولكنّ هنالك ملاحظة واحدة : ان هذه القصيدة من الدور الرابع في حياة المتنبّي ، وشعر المتنبّي كان قد رقّ في هذا الدور فجرت قصيدته في خولة هذا المجرى : يا أخت خير أخ ، يا بنت خير أب * - كناية بهما عن أشرف النسب - أجلّ قدرك أن تسمي مؤبّنة ؛ * ومن يصفك فقد سمّاك للعرب ! طوى الجزيرة حتى جاءني خبر * فزعت فيه بآمالي إلى الكذب . حتى إذا لم يدع لي صدقه كذبا * شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي . أرى العراق طويل الليل مذ نعيت ؛ * فكيف ليل فتى الفتيان في حلب ؟ يظنّ أنّ فؤادي غير ملتهب ، * وأن دمع جفوني غير منسكب . بلى ! وحرمة من كانت مراعية * لحرمة المجد والقصّاد والأدب . وإن تكن خلقت أنثى لقد خلقت * كريمة غير أنثى العقل والحسب . وان تكن تغلب الغلباء عنصرها * فإنّ في الخمر معنى ليس في العنب !
--> ( 1 ) الاوكع : اللئيم ، يقصد كافورا .