عمر فروخ
44
تاريخ الأدب العربي
تضاءل الفخر القبليّ القديم واتّسع الفخر الشخصيّ بالنفس وخصائصها الذاتيّة والأخلاقية وبنتاجها الشعري . وكذلك اتّسع المديح بالشجاعة والكرم وشرف الأصل وأصالة الرأي وزادت عليه خصائص منها المقدرة في لعب الشطرنج مثلا ، كما نرى عند ابن الرومي ، ومنها المدح الغزليّ ، كما نرى عند أبي نواس في مدح الأمين . وأصبحت خدمة الإسلام في الحرب والإدارة والعدل من عناصر المدح العبّاسي . وكثيرا ما كان الشعراء يمنّون على الممدوحين أنهم يمدحونهم وأنهم ينظمون فيهم شعرا يعجز غيرهم عن مثله ، كما نرى عند أبي نواس وابن الرومي وعند المتنبي فيما بعد . ورقّ الاعتذار الذي رأيناه عند النابغة الذبيانيّ واتّسع فيه العتاب الرقيق الذي نراه عند البحتريّ . وكثر الزهد والأدب ( الحكمة ) وأصبحا فنّين يعالجهما نفر من الشعراء في قصائد أو مقطّعات تامّة ، واتّسع القول فيهما في الاغراض والأسلوب . وكان الطرد ( وصف الصيد ) معروفا في الأدب القديم فأصبح في العصر العبّاسي بابا مستقّلا . ولم يقتصر الطرد على الصيد فحسب بل تناول كلّ ما يتعلّق بالحيوان حتّى وصف « قتال الديكة » ، كما نرى عند أبي نواس . وكذلك الخمر أصبحت فنّا قائما بنفسه مستقلا في القصائد والمقطّعات ، مع ما يتبع ذلك من آداب المنادمة مثلا . أما الفنّ الذي نستطيع أن نقول إنّه نشأ في العصر العبّاسي بعد أن لم يكن فهو الغزل المذكّر : إنّه إعجاب بالذكور نظريّا وعمليّا لم يكن موجودا عند الأمويّين ولا عند الجاهليّين . وأمّا الذي دعا إلى نشأة هذا الفنّ في الشعر فهو مزيج من الحاجة والألفة والترف تسرّب إلى العرب من الفرس مع مجيء جيوش أبي مسلم الخراسانيّ . وقد ذكر الجاحظ سبب انتشار هذه الفاحشة بين العرب في « كتاب المعلّمين » فقال حمزة الاصفهاني « 1 » : « إنّ الشعراء قاطبة من أيّام مولد الشعر قبيل الإسلام في آخر بني أميّة كان تشبيبهم بالنساء لا غير ، إذ كانت دواعي عشقهم من جهة النساء .
--> ( 1 ) كتاب المعلمين مفقود ، ولكنني عثرت على صفحة منه منسوخة في مخطوطة لديوان أبي نواس من جمع حمزة بن حسن الاصفهاني Hss . in der Staatsbibl iothek zu Berlin , Nr . 7532 .