عمر فروخ
45
تاريخ الأدب العربي
فلمّا أقبلت المسوّدة « 1 » من المشرق مع أهل خراسان أحدث فيهم اللواط لارتباطهم « 2 » الغلمان فشبّب شعراء الدولة . . . بالذكران . وكان لحدوث هذه الفاحشة في الخراسانيّين سبب حكاه الجاحظ في كتاب المعلّمين ، زعم . . . : « أنّ السبب الذي أشاع اللواط في أجناد خراسان خروجهم في البعوث « 3 » مع الغلمان ، وذلك حين تعذّر عليهم اصطحاب النساء والجواري حين سنّ أبو مسلم ( الخراسانيّ ) صاحب الدولة في تلك العساكر ألّا يصحبها النساء خلافا على بني أميّة في إخراجهم النساء معهم في العساكر ؛ ولم يكن لهم بدّ من غلمان يخدمونهم . . . فتعوّد القوم ذلك في أسفارهم فلم يقفلوا منها إلى منازلهم إلّا وقد تمكّنت منهم . . . . « ولو كانت هذه الشهوة شائعة في الاعراب لتعشّقوا الغلمان بها ، ولو تعشّقوا الغلمان لنسبوا بهم « 4 » ولتهاجوا ولتفاخروا ولتنافسوا ( فيهم ) ؛ ويجري في ذلك من الشرّ ما لا يخفى مكانه » . أما النثر فكان أكثر تطوّرا واتّساعا في العصر العبّاسي من الشعر . نشأت التوقيعات ، وهي جمل قصار مقتبسة أو منشأة كان الخلفاء خاصّة يوقّعون بها ( ومن هنا جاء اسمها ) في آخر القصص ( الرقاع والأوراق التي تعرض عليهم وفيها اقتراح بعمل أو طلب من محتاج أو حكم من قضاء أو مبلغ من المال للصرف والإنفاق ) . ومع أن التوقيعات كانت معروفة منذ عصر الخلفاء الراشدين ، فإنها اتّسعت في العصر العبّاسي اتساعا جعلها خاصّة من خصائص هذا العصر . فمن التوقيعات العبّاسية مثلا : شكا أهل الكوفة إلى أبي جعفر المنصور سوء معاملة عاملم ( المكلّف بجمع الضرائب منهم ) فوقّع أبو جعفر في أسفل رقعتهم التي رفعوها اليه في هذا الشأن : كما تكونون يؤمّر عليكم ( المقصود : ان المنصور ردّ طلب أهل الكوفة فلم يقبل بتبديل العامل ) .
--> ( 1 ) المسودة : دعاة بني العباس سمّوا أنفسهم بذلك بعد أن اتخذوا ثيابا سودا وراية سوداء خلافا لبني أمية الذين كانت رايتهم بيضاء . ( 2 ) ارتبط الخدم والخيل : جعلهم قريبين منه لخدمته . ( 3 ) البعث : الجيش الذاهب إلى الحرب . ( 4 ) نسب وشبب : تغزل .