عمر فروخ
42
تاريخ الأدب العربي
المذهب البغدادي . ثم كان هنالك شعراء مالوا إلى « التأنّق » في اللفظ » ؛ وبما أن معظم هؤلاء كانوا ممن نشئوا في الشام ثم اتفق أن انتقلوا إلى بغداد مثل أبي تمّام وتلميذه البحتري ، أو كانوا من الذين آثروا الشام في السكنى مثل ديك الجن الحمصي أستاذ أبي تمّام ، ومثل المتنبي وأبي فراس والمعرّي ، فقد سمّيت طريقتهم في الشعر المذهب الشامي . ويحسن أن نشير هنا إلى أن نفرا من شعراء بغداد كمسلم بن الوليد والشريف الرضي كانوا من أتباع المذهب الشامي . ثم اننا كثير ما نجد لأتباع المذهب الشامي مقاطع وقصائد تجري على المذهب البغدادي ، كما نرى للبغداديين أبياتا يتأنّقون فيها ويغالون . خصائص الشعر الشامي من أبرز خصائص الشاعر الشامي الجدّ فقلما مال الشاعر الشامي إلى الهزل أو المرح في شعره . ومنها اعجابه بالفنون القديمة كالنسيب القديم ، سواء أأحبّ حبا عفيفا أو حبا ماديا أو لم يحبّ قطّ . ومنها الفخر بالعرب في شعره ، سواء أكان عربيا كالبحتري والمتنبي ، أو فارسيا كمسلم بن الوليد ، أو روميا كأبي تمّام . ومنها الحماسة ( الفروسية ووصف المعارك ) سواء أكان فارسا وخاض المعارك كالمتنبي وأبي فراس ، أو جبانا كالبحتري . ومنها تكلف المعاني البعيدة والغوص عليها . ومنها تكلّف الألفاظ الغريبة . ومنها تكلّف التشابيه والاستعارات والبديع ( الجناس والطباق ) خاصة ، حتى أن الشاعر الشامي ليحاول ألّا يخلي بيتا له من ضرب من ضروب البديع . ومنها الاتكاء في التشابيه والاستعارات على قضايا المنطق والنحو والفقه وغيرها من العلوم . من أجل ذلك ظلت القصيدة عند الشاعر الشامي على شكلها القديم تجمع فنونا متعدّدة . أمّا سبب اتّساع المذهب الشاميّ منذ صدر العصر العبّاسيّ فراجع إلى أن خصائص الأدب المحدث ( ومعظمها على المذهب البغدادي ) كانت شائعة في شعر شعراء اتّهموا بالزندقة حينا وبالشعوبية حينا آخر ثمّ كانوا من الذين يفضّلون الحياة الفارسية وممن نالوا حظوة عند رجال الدولة الفرس ، فلمّا