عمر فروخ

270

تاريخ الأدب العربي

- وقال يرثي زوجته وقد ماتت وتركت طفلا رضيعا : ألا من رأى الطفل المفارق أمّه * بعيد الكرى عيناه تنسكبان ؛ رأى كلّ أمّ وابنها ، غير أمّه ، * يبيتان تحت الليل ينتحيان « 1 » ، وبات وحيدا في الفراش تجنّه * بلابل قلب دائم الخفقان « 2 » . فلا تلحياني إن بكيت فإنّما * أداوي بهذا الدمع ما تريان « 3 » . فهبني عزمت الصبر عنها لأنني * جليد ، فمن بالصبر لابن ثمان « 4 » ضعيف القوى ، لا يطلب الأجر حسبة ، * ولا يأتسي بالناس في الحدثان « 5 » ؟ فلم أر كالأقدار كيف تصيبي ، * ولا مثل هذا الدهر كيف رماني . أعينيّ ، إن لم تسعدا اليوم عبرتي * فبئس - إذن - ما في غد تعداني « 6 » . - دخل ابن الزيّات دار المعتصم وابن أبي دؤاد هنالك . ولم يشأ ابن أبي دؤاد أن يلقى ابن الزيّات فتشاغل عنه بالصلاة . فقال ابن الزيّات : صلّى الضحى « 7 » لما استفاد عداوتي ، * وأراه ينسك بعدها ويصوم . لا تعدمنّ عداوة مأجورة * تركتك تقعد تارة وتقوم ! 4 - [ المصادر والمراجع ] ديوان الوزير محمد بن عبد الملك الزيّات ( جميل سعيد ) ، القاهرة ( مطبعة نهضة مصر ) 1949 م .

--> ( 1 ) - يرى كل طفل آخر وأمه يبيتان ( يقضيان الليل ) منتحيين ( متخذين مكانا أمينا مريحا ) . ( 2 ) تجنه : تغطيه ( تحيط به ) . بلابل : هموم . دائم الخفقان ( من الخوف والحزن ) . ( 3 ) لحاه : شتمه ، لامه . ( 4 ) الجليد : الصبور ، الذي لا تؤثر فيه الاحداث . ابن ثمان : ابن ثماني ليال ( اشهر ) . ( 5 ) لا يطلب الأجر حسبة : لا يدرك أن المصيبة محتسبة ( لها أجر ) عند اللّه . يأتسي : يقلد الناس في أعمالهم الحميدة ( في الصبر والتجلد ) . ( 6 ) أسعده : ساعده في البكاء مجاراة له وتخفيفا عنه . ما تعداني غدا ( من الاسعاد والمعاونة على البكاء ، أو من الأجر على هذه المصيبة ! ) . ( 7 ) الضحى : صلاة نافلة ( سنة ، ليست فرضا ) يقوم بها الإنسان اختيارا بعد طلوع الشمس بمدة . على أن المسلم إذا أخذ على نفسه أن يصلي الضحى يحسن أن يحافظ عليها يوميا ( وركعات هذه الصلاة اثنتان على الأقل ) .