عمر فروخ
248
تاريخ الأدب العربي
على أن كتاب طبقات الشعراء للجمحي يمثل دورا وسطا في التأليف الإسلامي : إنّه خروج من التقيّد اللفظي بالروايات المفردة مثبتة بعد أسانيدها « 1 » إلى التحلّل من قيد الرواية باختصار الأسانيد وبجمع بعض الروايات إلى بعض « 2 » . ثم خطا المؤلفون خطوة جديدة بالاستغناء على الأسانيد وسياقة المادّة سياقة منظّمة قدر الإمكان ، كما نرى في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة « 3 » . وتتلخّص آراء يوسف هلّ في ما يلي : أ - في كتاب طبقات الشعراء مرحلة أساسية : مرحلة ابتكار الفكرة لهيكل الكتاب بجعل الشعراء طبقات بعضها تحت بعض حسب شاعرية الشعراء . وقد أراد ابن سلّام الجمحيّ أن يجعل شعراء الجاهلية عشر طبقات في كلّ طبقة أربعة شعراء ، وأن يجعل شعراء الإسلام مثل ذلك . ب - ثم بدا له أن ثمّة شعراء بين الجاهلية والإسلام يستحقّون الذكر ، فلم يجعلهم في طبقات على حسب شاعريّتهم ، بل جمع قسما منهم باسم الفنّ الذي برعوا فيه فجعلهم « شعراء المراثي » . أما الباقون فقد قسّمهم بحسب المدن التي نشئوا فيها . ج - هنالك مرحلة ثانية قام فيها أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي ( ابن أخت محمّد بن سلّام ) المتوفّى نحو سنة 305 ه باستملاء الكتاب وتدوينه وترتيبه ( وسياق الكتاب يدلّ على أن ابن سلّام حدّث بالكتاب ولم يخطّه بيده ، وذلك على مجرى العادة في صدر التأليف الإسلامي ) د - وتأتي المرحلة الثالثة ، وفيها قام أبو طاهر محمّد بن أحمد بن عبد اللّه الذهلي المتوفّى 367 ه برواية الكتاب عن أبي خليفة . ه - ويبدو أن الكتاب لم يبق على ما كان عليه في المرحلة الثالثة ، بل تسرّبت إليه زيادات متتالية .
--> ( 1 ) الأسانيد جمع إسناد وسند : سلسلة الرجال الذين تروى الأخبار من طريقهم . ففي كتاب الأغاني مثلا ( 3 : 258 ) : « أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم قال حدثني علي بن الحسن عن ابن الاعرابي قال حدثني سعيد بن حميد الكاتب البصري قال قال أبي : . . . » هذه الطريقة متبعة في رواية الحديث وفي تاريخ الطبري وأمثاله . ( 2 ) كما يفعل كتاب الأغاني أحيانا فإنه يلفق الروايات بجمع بعضها إلى بعض بعد اختصارها وبعد اختصار أسانيدها . ( 3 ) قلما يحفل ابن قتيبة بذكر الأسانيد .